بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مرحبا بكم مع الشيخ خالدالمغربي - المسجد الأقصى

018

الكهف

آية رقم 082

وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا

صدق الله العظيم

 

إذا نظرنا في سورة الكهف وفي قصة موسى مع الخضر – عليهـما السلام - فسوف نقف على ( تاء ) محذوفة للتخفيف وهي تشير إلى لطيفة لغوية جميلة في القرآن .
فعندما قابل موسى الخضر عليهما السلام وعرض عليه أن يتبعه ليتعلم منه , أخبره الخضر أنه لا يستطيع أن يصبر معه لأنــه سيفاجأ بأشياء وأحداث لن يصبر عليها
ووعده موسى أن يصبر ولا يعصى له أمرا وطلب منه الخضر أن لا يعترض على أي شيء يراه وأن لا يسأله عن شيء …. واتفقا وانطلقا . . فحدث في الرحلة:
أن خرق الخضر السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار
وكان موسى -عليه السلام - يعترض في كل مرة على فعـل الخضر, والخضر يذكّره بوعده , وفي نهاية الرحلة افترق موسى والخضر وقبل افتراقهما قال له الخضر :
( هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) وبيّن له حقيقة الأحداث الثلاثة :
خرق السفينة و قتل الغلام وبناء الجدار
وختم بقوله:( ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا )
فنلاحظ أن " التاء " موجودة في الفعل ( تستطع )
في الآية الأولى بينما التاء محذوفة في المرة الثانية
( ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا )
والسؤال هنا : لماذا أثبتت التاء في الآية الأولى
وحذفت من الآية الثانية ؟
لقد شاهد موسى عليه السلام من الخضر ثلاثة أفعال
وهي غريبة وغير مقبولة في الظاهر وتدعو إلى الإنكار
فوقع موسى في حيرة في تأويل هذه الأحداث وكأنه صار
في هم وشعور نفسي ثقيل فأثبتت التاء مع الفعل في الآية الأولى لتناسب هذا الثقل النفسي ..
ولكن وبعـدما علّل الخضر لموسى عليهما السلام حقيقة الأحداث عرف موسى وجه الصواب في تَصَرُّف الخضر
فزال هذا الثقل النفسي فحذفت التاء من الفعل ( تسطع )
لتشارك التخفيف النفسي

 

" تسطع " و " تسطع " ، " اسطاعوا " و " استطاعوا"


ذكر الله تعالى في قصة سيدنا موسى عليه السلام مع الخضر في سورة الكهف ثلاثة أحداث أثارت اعتراض سيدنا موسى وهي خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار بدون أجر.. وقبل أن يفارق الخضر سيدنا موسى ذكر له الحكمة من الثلاثة أفعال... ولكنه قبل أن يؤوِّل سببها قال له: " هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(78)".
وبعدما أول لسيدنا موسى الأحداث قال له: " ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(82) "
أثبت الفاء في " تستطع" وحذفها في " تسطع " فما الحكمة من ذلك ؟؟
لقد راعى السياق القرآني الحالة النفسية لسيدنا موسى عليه السلام قبل أن يعرف تأويل سبب تلك الأفعال التي أنكرها فناسَب إظهار التاء في " تستطع " لبيان ثقل هذا الأمر عليه بسبب الهم والفكر الحائر. فصار بناء الفعل ثقيلا ( خمسة أحرف ) فناسب ثقل الهم ثقل بناء الفعل.
وحذف التاء من كلمة " تسطع " مما جعل بناء الفعل مخففا ( أربعة أحرف) وهذا التخفيف مناسب للتخفيف في مشاعر سيدنا موسى بعد أن علم الحكمة من أفعال الخضر فارتاحت نفسه وزال ثقلها.
ومثل ذلك في نفس السورة الكريمة عند الحديث عن سد ذي القرنين الذي بناه ليمنع خروج يأجوج ومأجوج قال تعالى: " فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(97) ".
معنى يظهروه: يتسلقوه .... ومعنى نقباً : نقضه بالحفر.
حذفت التاء في " فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ " لأن المعنى هو عدم استطاعتهم تسلق السد لكونه أملسا وخاليا من أي نتوء يمكن الإمساك به.
وبما أن التسلق يحتاج خفة ورشاقة ومهارة ... وكلما كان الشخص أخف كان تسلقه أسهل.. جاء تخفيف بناء الفعل كأنه يشارك المتسلق في تحمل بعض أحماله.
أما " مَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا " أثبت التاء لأن ثقب الجدار يحتاج معدات ثقيلة فكلما كانت المعدات أثقل كان النقب في السد أيسر.. وكذلك لأن النقب يحتاج إلى جهد عضلي أكبر.
وهنالك قاعدة بلاغية تقول" الزيادة في المبنى تفيد الزيادة في المعنى".

مواضيع ذات علاقة

اسم الموضوع

التاريخ الهجري

تاريخ الموضوع

الإعجاز اللغوي والبياني في القرآن الكريم

24 رجب 1429

2008/07/27