موقع DentoMedicalBooks للكتب الورقيه والاكترونيه  آخر رد: الياسمينا    <::>    موقع DentoMedicalBooks للكتب الورقيه والاكترونيه  آخر رد: الياسمينا    <::>    موقع الصحة.. مقالات عن أشهر الأمراض وطرق علاجها  آخر رد: الياسمينا    <::>    موقع الصحة.. مقالات عن أشهر الأمراض وطرق علاجها  آخر رد: الياسمينا    <::>    ليزر فيليبس لازالة الشعر  آخر رد: الياسمينا    <::>    ليزر فيليبس لازالة الشعر  آخر رد: الياسمينا    <::>    سيرفر بلاكر لزيادة المتابعين المزود الرئيسي لخدمة متابعين ان...  آخر رد: الياسمينا    <::>    سيرفر بلاكر لزيادة المتابعين المزود الرئيسي لخدمة متابعين ان...  آخر رد: الياسمينا    <::>    متجر فور سكاي خصومات تصل الى 60% بي مناسبة عيد الفطر المبارك  آخر رد: الياسمينا    <::>    متجر فور سكاي خصومات تصل الى 60% بي مناسبة عيد الفطر المبارك  آخر رد: الياسمينا    <::>   
 
العودة   منتدى المسجد الأقصى المبارك > القرآن الكريم > آيات القرآن الكريم

 
إضافة رد
 
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
 
  #1  
قديم 05-23-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي الفاتحة 001 - آية 007 - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مرحبا بكم معنا في المسجد الأقصى المبارك
سورة 001 - الفاتحة - آية رقم 007


صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
صدق الله العظيم
السابق التالي
__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم

آخر تعديل بواسطة admin ، 12-05-2010 الساعة 10:19 AM
رد مع اقتباس
 
 
  #2  
قديم 12-02-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق 1-6

تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق 1-6
وقوله: { صِرَاطَ الذينَ أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } إبـانة عن الصراط الـمستقـيـم أيّ الصراط هو، إذ كان كل طريق من طرق الـحقّ صراطاً مستقـيـماً، فقـيـل لـمـحمد صلى الله عليه وسلم: قل يا مـحمد: اهدنا يا ربنا الصراط الـمستقـيـم، صراط الذين أنعمت علـيهم، بطاعتك وعبـادتك من ملائكتك، وأنبـيائك، والصديقـين، والشهداء، والصالـحين. وذلك نظير ما قال ربنا جل ثناؤه فـي تنزيـله:

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكان خَيْراً لَهُمْ وأشَدَّ تَثْبِـيتاً * وإذا لآتَـيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أجْراً عَظِيـماً * ولَهَدَيْناهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِـيـماً * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَـاولَئِكَ مَعَ الذَّينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَـيْهِمْ مِنَ النَّبِـيِّـينَ وَالصّدّيقِـينَ والشهَدَاءِ وَالصالِـحِينَ} (النساء4: 66-69)

قال أبو جعفر: فـالذي أمر مـحمد صلى الله عليه وسلم وأمته أن يسألوه ربهم من الهداية للطريق الـمستقـيـم، هي الهداية للطريق الذي وصف الله جل ثناؤه صفته. وذلك الطريق هو طريق الذين وصفهم الله بـما وصفهم به فـي تنزيـله، ووعد من سَلَكه فـاستقام فـيه طائعاً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، أن يورده مواردهم، والله لا يخـلف الـميعاد. وبنـحو ما قلنا فـي ذلك رُوي الـخبر عن ابن عبـاس وغيره.


حدثنا مـحمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمَتَ عَلَـيْهِمْ } يقول: طريق من أنعمت علـيـم بطاعتك وعبـادتك من الـملائكة والنبـيـين والصديقـين والشهداء والصالـحين، الذين أطاعوك وعبدوك.

وحدثنـي أحمد بن حازم الغفـاري، قال: أخبرنا عبـيد الله بن موسى، عن أبـي جعفر عن ربـيع: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } قال: النبـيون.

وحدثنـي القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: { أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } قال: الـمؤمنـين.

وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الـحسين، قال: قال وكيع { أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ }: الـمسلـمين.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد فـي قول الله: { صِرَاطَ الذِينَ أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } قال: النبـي صلى الله عليه وسلم ومن معه.

قال أبو جعفر: وفـي هذه الآية دلـيـل واضح علـى أن طاعة الله جل ثناؤه لا ينالها الـمطيعون إلا بإنعام الله بها علـيهم وتوفـيقه إياهم لها. أوَ لا يسمعونه يقول: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } فأضاف كل ما كان منهم من اهتداء وطاعة وعبـادة إلـى أنه إنعام منه علـيهم؟

فإن قال قائل: وأين تـمام هذا الـخبر، وقد علـمت أن قول القائل لآخر: أنعمت علـيك، مقتض الـخبر عما أنعم به علـيه، فأين ذلك الـخبر فـي قوله: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } وما تلك النعمة التـي أنعمها علـيهم؟ قـيـل له: قد قدمنا البـيان فـيـما مضى من كتابنا هذا عن اجتزاء العرب فـي منطقها ببعض من بعض إذا كان البعض الظاهر دالاًّ علـى البعض البـاطن وكافـياً منه، فقوله: { صِرَاطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } من ذلك لأن أمر الله جل ثناؤه عبـاده بـمسألته الـمعونة وطلبهم منه الهداية للصراط الـمستقـيـم لـما كان متقدماً قوله: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } الذي هو إبـانة عن الصراط الـمستقـيـم، وإبدالٌ منه، كان معلوماً أن النعمة التـي أنعم الله بها علـى من أمرنا بـمسألته الهداية لطريقهم هو الـمنهاج القويـم والصراط الـمستقـيـم الذي قد قدمنا البـيان عن تأويـله آنفـاً، فكان ظاهر ما ظهر من ذلك مع قرب تـجاور الكلـمتـين مغنـياً عن تكراره كما قال نابغة بنـي ذبـيان:
-1-

كأنكَ منْ جِمالِ بَنـي أُقَـيْشٍيُقْعْقَعُ خَـلْفَ رِجْلَـيْهِ بِشَنِّ


يريد كأنك من جمال بنـي أقـيش جمل يقعقع خـلف رجلـيه بشنّ، فـاكتفـى بـما ظهر من ذكر الـجمال الدال علـى الـمـحذوف من إظهار ما حذف. وكما قال الفرزدق بن غالب:

تَرَى أرْبـاقَهُمْ مُتَقَلِّدِيهاإذَا صَدِىءَ الـحَديدُ علـى الكُماةِ


يريد: متقلديها هم، فحذف «هم» إذ كان الظاهر من قوله: «أربـاقهم» دالاًّ علـيها.

والشواهد علـى ذلك من شعر العرب وكلامها أكثر من أن تـحصى، فكذلك ذلك فـي قوله: { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ }.

القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { غَيْرِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ }.

قال أبو جعفر: والقراء مـجمعة علـى قراءة «غير» بجرّ الراء منها. والـخفض يأتـيها من وجهين: أحدهما أن يكون غير صفة للذين ونعتا لهم فتـخفضها، إذ كان «الذين» خفضاً وهي لهم نعت وصفة وإنـما جاز أن يكون «غير» نعتا «للذين»، و«الذين» معرفة وغير نكرة لأن «الذين» بصلتها لـيست بـالـمعرفة الـمؤقتة كالأسماء التـي هي أمارات بـين الناس، مثل: زيد وعمرو، وما أشبه ذلك وإنـما هي كالنكرات الـمـجهولات، مثل: الرجل والبعير، وما أشبه ذلك فلما كان «الذين» كذلك صفتها، وكانت غير مضافة إلـى مـجهول من الأسماء نظير «الذين» فـي أنه معرفة غير مؤقتة كما «الذين» معرفة غير مؤقتة، جاز من أجل ذلك أن يكون: { غير الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } نعتاً لـ { الذين أنعمت علـيهم } كما يقال: لا أجلس إلا إلـى العالـم غير الـجاهل، يراد: لا أجلس إلا إلـى من يعلـم، لا إلـى من يجهل. ولو كان الذين أنعمت علـيهم معرفة مؤقتة كان غير جائز أن يكون { غيرِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } لها نعتاً، وذلك أنه خطأ فـي كلام العرب إذا وصفت معرفة مؤقتة بنكرة أن تلزم نعتها النكرة إعراب الـمعرفة الـمنعوت بها، إلا علـى نـية تكرير ما أعرب الـمنعوت بها. خطأٌ فـي كلامهم أن يقال: مررت بعبد الله غير العالـم، فتـخفض «غير» إلا علـى نـية تكرير البـاء التـي أعربت عبد الله، فكان معنى ذلك لو قـيـل كذلك: مررت بعبد الله، مررت بغير العالـم. فهذا أحد وجهي الـخفض فـي: { غيرَ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ }.

والوجه الآخر من وجهي الـخفض فـيها أن يكون «الذين» بـمعنى الـمعرفة الـمؤقتة.
-2-

وإذا وجه إلـى ذلك، كانت غير مخفوضة بنـية تكرير الصراط الذي خفض الذين علـيها، فكأنك قلت: صراط الذين أنعمت علـيهم صراط غير الـمغضوب علـيهم.

وهذان التأويلان فـي غير الـمغضوب علـيهم، وإن اختلفـا بـاختلاف معربـيهما، فإنهما يتقارب معناهما من أجل أن من أنعم الله علـيه فهداه لدينه الـحق فقد سلـم من غضب ربه ونـجا من الضلال فـي دينه، فسواءٌ إذ كان سامع قوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الـمُسْتَقِـيـمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَـيْهِمْ } غير جائز أن يرتاب مع سماعه ذلك من تالـيه فـي أن الذين أنعم الله علـيهم بـالهداية للصراط، غير غاضب ربهم علـيهم مع النعمة التـي قد عظمت منته بها علـيهم فـي دينهم، ولا أن يكونوا ضلالاً وقد هداهم للـحق ربهم، إذْ كان مستـحيلاً فـي فطرهم اجتـماع الرضا من الله جل ثناؤه عن شخص والغضب علـيه فـي حال واحدة واجتـماع الهدى والضلال له فـي وقت واحد وُصِف القوم مع وصف الله إياهم بـما وصفهم به من توفـيقه إياهم وهدايته لهم وإنعامه علـيهم بـما أنعم الله به علـيهم فـي دينهم بأنهم غير مغضوب علـيهم ولا هم ضالون، أم لـم يوصفوا بذلك لأن الصفة الظاهرة التـي وصفوا بها قد أنبأت عنهم أنهم كذلك وإن لـم يصرّح وصفهم به. هذا إذا وجهنا «غير» إلـى أنها مخفوضة علـى نـية تكرير الصراط الـخافض الذين، ولـم نـجعل غير الـمغضوب علـيهم ولا الضالـين من صفة الذين أنعمت علـيهم بل إذا جعلناهم غيرهم وإن كان الفريقان لا شك مُنْعَماً علـيهما فـي أديانهما. فأما إذا وجهنا: { غيرِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّـينَ } إلـى أنها من نعت الذين أنعمت علـيهم فلا حاجة بسامعه إلا الاستدلال، إذْ كان الصريح من معناه قد أغنى عن الدلـيـل، وقد يجوز نصب «غير» فـي غير الـمغضوب علـيهم وإن كنت للقراءة بها كارهاً لشذوذها عن قراءة القراء. وإن ما شذّ من القراءات عما جاءت به الأمة نقلاً ظاهراً مستفـيضاً، فرأي للـحق مخالف وعن سبـيـل الله وسبـيـل رسوله صلى الله عليه وسلم وسبـيـل الـمسلـمين متـجانف، وإن كان له لو كانت القراءة جائزة به فـي الصواب مخرج.

وتأويـل وجه صوابه إذا نصبتَ: أن يوجه إلـى أن يكون صفة للهاء والـميـم اللتـين فـي «علـيهم» العائدة علـى «الذين»، لأنها وإن كانت مخفوضة ب«علـى»، فهي فـي مـحل نصب بقوله: «أنعمت». فكأن تأويـل الكلام إذا نصبت «غير» التـي مع «الـمغضوب علـيهم»: صراط الذين هديتهم إنعاما منك علـيهم غير مغضوب علـيهم، أي لا مغضوبـاً علـيهم ولا ضالـين. فـيكون النصب فـي ذلك حينئذٍ كالنصب فـي «غير» فـي قولك: مررت بعبد الله غير الكريـم ولا الرشيد، فتقطع غير الكريـم من عبد الله، إذ كان عبد الله معرفة مؤقتة وغير الكريـم نكرة مـجهولة.
-3-

وقد كان بعض نـحويـي البصريـين يزعم أن قراءة من نصب «غير» فـي غير الـمغضوب علـيهم علـى وجه استثناء غير الـمغضوب علـيهم من معانـي صفة الذين أنعمت علـيهم، كأنه كان يرى أن معنى الذين قرءوا ذلك نصبـاً: اهدنا الصراط الـمستقـيـم صراط الذين أنعمت علـيهم إلا الـمغضوب علـيهم الذين لـم تنعم علـيهم فـي أديانهم ولـم تهدهم للـحق، فلا تـجعلنا منهم كما قال نابغة بنـي ذبـيان:

وَقَـفْتُ فـيها أُصَيْلالاً أُسائلُهاأعْيَتْ جَوَابـاً وَما بـالرَّبْع منْ أحَدِ
إِلاَّ أَوَارِيَّ لأيامَاً أُبَـيِّنُهاوالنُّؤيُ كالـحَوْضِ بـالـمَظْلُومَةِ الـجَلَدِ


وأَلاواري معلوم أنها لـيست من عداد أحد فـي شيء. فكذلك عنده استثنى { غير الـمغضوب علـيهم } من { الذين أنعمت علـيهم } ، وإن لـم يكونوا من معانـيهم فـي الدين فـي شيء.

وأما نـحويو الكوفـيـين فأنكروا هذا التأويـل واستـخطئوه، وزعموا أن ذلك لو كان كما قاله الزاعم من أهل البصرة لكان خطأ أن يقال: { ولا الضالـين } لأن «لا» نفـي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا علـى جحد وقالوا: لـم نـجد فـي شيء من كلام العرب استثناء يعطف علـيه بجحد، وإنـما وجدناهم يعطفون علـى الاستثناء بـالاستثناء، وبـالـجحد علـى الـجحد فـيقولون فـي الاسثتناء: قام القوم إلا أخاك وإلا أبـاك وفـي الـجحد: ما قام أخوك، ولا أبوك وأما قام القوم إلا أبـاك ولا أخاك، فلـم نـجده فـي كلام العرب قالوا: فلـما كان ذلك معدوماً فـي كلام العرب وكان القرآن بأفصح لسان العرب نزوله، علـمنا إذ كان قوله: { ولا الضالـين } معطوفـاً علـى قوله: { غير الـمغضوب } علـيهم أن «غير» بـمعنى الـجحد لا بـمعنى الاستثناء، وأن تأويـل من وجهها إلـى الاستثناء خطأ. فهذه أوجه تأويـل غير الـمغضوب علـيهم. بـاختلاف أوجه إعراب ذلك.

وإنـما اعترضنا بـما اعترضْنا فـي ذلك من بـيان وجوه إعرابه، وإن كان قصدنا فـي هذا الكتاب الكشف عن تأويـل آي القرآن، لـما فـي اختلاف وجوه إعراب ذلك من اختلاف وجوه تأويـله، فـاضطرّتنا الـحاجة إلـى كشف وجوه إعرابه، لتنكشف لطالب تأويـله وجوه تأويـله علـى قدر اختلاف الـمختلفة فـي تأويـله وقراءته.

والصواب من القول فـي تأويـله وقراءته عندنا القول الأول، وهو قراءة: { غيرِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } بخفض الراء من «غير» بتأويـل أنها صفة للذين أنعمت علـيهم ونعت لهم لـما قد قدمنا من البـيان إن شئت، وإن شئت فبتأويـل تكرار «صراط» كل ذلك صواب حسن.

فإن قال لنا قائل: فمن هؤلاء الـمغضوب علـيهم الذين أمرنا الله جل ثناؤه بـمسألته أن لا يجعلنا منهم؟ قـيـل: هم الذين وصفهم الله جل ثناؤه فـي تنزيـله فقال:

{ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرّ مِنْ ذلكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَـيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ القِرَدَةَ والـخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكاناً وأضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِـيـلِ } (المائدة5: 60)

فأعلـمنا جل ذكره بـمنه ما أحلّ بهم من عقوبته بـمعصيتهم إياه، ثم علـمنا، مِنَّةً منه علـينا، وجه السبـيـل إلـى النـجاة، من أن يحل بنا مثل الذي حلّ بهم من الـمَثُلات، ورأفة منه بنا.

-4-

فإن قال: وما الدلـيـل علـى أنهم أولاء الذين وصفهم الله وذكر نبأهم فـي تنزيـله علـى ما وصفت قـيـل:

حدثنـي أحمد بن الولـيد الرملـي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقـي، قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن الشعبـي، عن عديّ بن حاتـم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " " الـمَغْضُوبُ عَلَـيْهِمْ: الـيَهُودُ " " وحدثنا مـحمد بن الـمثنى، قال: حدثنا مـحمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، قال: سمعت عبـاد بن حبـيش يحدّث عن عديّ بن حاتـم قال: قال لـي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " " إنَّ الـمَغْضُوبَ عَلَـيْهِمْ: الـيَهُودُ " " وحدثنـي علـيّ بن الـحسن، قال: حدثنا مسلـم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا مـحمد بن مصعب، عن حماد بن سلـمة، عن سماك بن حرب، عن مُرِّي بن قَطَري، عن عدي بن حاتـم قال: سألت النبـي صلى الله عليه وسلم عن قول الله جل وعز: { غيرِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } قال: " " هُمُ الـيَهُودُ " " وحدثنا حميد بن مسعدة الشامي، قال: حدثنا بشر بن الـمفضل، قال: حدثنا الـجريري عن عبد الله بن شقـيق: أن رجلاً أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مـحاصرٌ وادي القرى فقال: من هؤلاء الذين تـحاصر يا رسول الله؟ قال: " " هَولاءِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ: الـيَهُودُ " " وحدثنـي يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا ابن علـية، عن سعيد الـجريري، عن عروة، عن عبد الله بن شقـيق، أن رجلاً أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نـحوه.

وحدثنا الـحسن بن يحيى، قال: أنبأنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن بديـل العقـيـلـي، قال: أخبرنـي عبد الله بن شقـيق أنه أخبره من سمع النبـي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو علـى فرسه وسأله رجل من بنـي القـين، فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: " " الـمَغْضُوبُ عَلَـيْهِمْ " " وأشار إلـى الـيهود.

وحدثنا القاسم بن الـحسن، قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الـحذاء، عن عبد الله بن شقـيق، أن رجلاً سأل النبـي صلى الله عليه وسلم، فذكر نـحوه.

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمار، قال: حدثنا أبو روق عن الضحاك، عن ابن عبـاس: { غيرِ الـمَغُضُوبِ عَلَـيْهِمْ } يعنـي الـيهود الذين غضب الله علـيهم.

وحدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي، قال: حدثنا عمرو بن طلـحة، قال: حدثنا أسبـاط بن نصر، عن السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: { غيرِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } هم الـيهود.
-5-

وحدثنا ابن حميد الرازي، قال: حدثنا مهران، عن سفـيان، عن مـجاهد، قال: { غيرِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } قال: هم الـيهود.

حدثنا أحمد بن حازم الغفـاري، قال: حدثنا عبد الله، عن أبـي جعفر، عن ربـيع: { غيرِ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } قال: الـيهود.

وحدثنا القاسم قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس: { غيرٍ الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } قال: الـيهود.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب. قال: قال ابن زيد: { غير الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } الـيهود.

وحدثنـي يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنـي ابن زيد، عن أبـيه، قال: { الـمَغْضُوبِ عَلَـيْهِمْ } الـيهود.

قال أبو جعفر: واختلف فـي صفة الغضب من الله جل ذكره فقال بعضهم: غضب الله علـى من غضب علـيه من خـلقه إحلالُ عقوبته بـمن غضب علـيه، إما فـي دنـياه، وإما فـي آخرته، كما وصف به نفسه جل ذكره فـي كتابه فقال:

{ قُلْ هَلْ أُنَبئُكُمْ بشَرّ منْ ذلكَ مَثُوبَةً عنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَـيْهِ وَجَعَلَ منهُمُ القِرَدَةَ والـخَنازِيرَ } (المائدة5: 60)

وقال بعضهم: غضب الله علـى من غضب علـيه من عبـاده ذمّ منه لهم ولأفعالهم، وشتـم منه لهم بـالقول. وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم، كالذي يعرف من معانـي الغضب. غير أنه وإن كان كذلك من جهة الإثبـات، فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميـين الذين يزعجهم ويحركهم ويشقّ علـيهم ويؤذيهم لأن الله جل ثناؤه لا تـحل ذاته الآفـات، ولكنه له صفة كما العلـم له صفة، والقدرة له صفة علـى ما يعقل من جهة الإثبـات، وإن خالفت معانـي ذلك معانـي علوم العبـاد التـي هي معارف القلوب وقواهم التـي توجد مع وجود الأفعال وتُعدم مع عدمها.


القول فـي تأويـل قوله تعالـى: { وَلا الضَّالِـينَ }.

قال أبو جعفر: كان بعض أهل البصرة يزعم أن «لا» مع «الضالـين» أدخـلت تتـميـماً للكلام والـمعنى إلغاؤها، ويستشهد علـى قـيـله ذلك ببـيت العجاج:

فـي بِئْرٍ لا حُورٍ سَرَى وَما شَعَرْ


ويتأوله بـمعنى: فـي بئر حُورٍ سَرَى، أي فـي بئر هلكة، وأنّ «لا» بـمعنى الإلغاء والصلة. ويعتل أيضاً لذلك يقول أبـي النـجم:

فَمَا ألُوم البِـيضَ أنْ لا تَسْخَرَالَـمَّا رأيْنَ الشَّمَطَ القَـفَنْدَرَا


وهو يريد: فما ألوم البـيض أن تسخر. وبقول الأحوص:

ويَـلْـحَيْنَنِـي فـي اللَّهْوِ أنْ لا أحِبَّهُولَلَّهْوِ داعٍ دائِبٌ غَيْرُ غَافِلِ


يريد: ويـلـحينَنـي فـي اللهو أن أحبه. وبقوله تعالـى: ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ يريد أن تسجد. وحكي عن قائل هذه الـمقالة أنه كان يتأول «غير» التـي «مع الـمغضوب علـيهم» أنها بـمعنى «سوى»، فكأن معنى الكلام كان عنده: اهدنا الصراط الـمستقـيـم صراط الذين أنعمت علـيهم الذين هم سوى الـمغضوب علـيهم والضالـين.
-6-
__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم
رد مع اقتباس
 
 
  #3  
قديم 12-02-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق 7-12

تفسير جامع البيان في تفسير القرآن/ الطبري (ت 310 هـ) مصنف و مدقق 7-12

وكان بعض نـحويـي الكوفة يستنكر ذلك من قوله، ويزعم أن «غير» التـي «مع الـمغضوب علـيهم» لو كانت بـمعنى «سوى» لكان خطأ أن يعطف علـيها ب«لا»، إذ كانت «لا» لا يعطف بها إلا علـى جحد قد تقدمها، كما كان خطأ قول القائل: عندي سوى أخيك، ولا أبـيك لأن «سوى» لـيست من حروف النفـي والـجحود ويقول: لـما كان ذلك خطأ فـي كلام العرب، وكان القرآن بأفصح اللغات من لغات العرب، كان معلوما أن الذي زعمه القائل أن «غير مع الـمغضوب» علـيهم بـمعنى: «سوى الـمغضوب علـيهم» خطأ، إذ كان قد كرّ علـيه الكلام ب«لا». وكان يزعم أن «غير» هنالك إنـما هي بـمعنى الـجحد، إذ كان صحيحاً فـي كلام العرب وفـاشياً ظاهراً فـي منطقها توجيه «غير» إلـى معنى النفـي ومستعملاً فـيهم: أخوك غير مـحسن ولا مـجمل، يراد بذلك أخوك لا مـحسن، ولا مـجمل، ويستنكر أن تأتـي «لا» بـمعنى الـحذف فـي الكلام مبتدأً ولـمّا يتقدمها جحد، ويقول: لو جاز مـجيئها بـمعنى الـحذف مبتدأ قبل دلالة تدل علـى ذلك من جحد سابق، لصح قول قائل قال: أردت أن لا أكرم أخاك، بـمعنى: أردت أن أكرم أخاك. وكان يقول: ففـي شهادة أهل الـمعرفة بلسان العرب علـى تـخطئه قائل ذلك دلالة واضحة علـى أن «لا» لا تأتـي مبتدأة بـمعنى الـحذف، ولـمّا يتقدمها جحد. وكان يتأول فـي «لا» التـي فـي بـيت العجاج الذي ذكرنا أن البصري استشهد به بقوله إنها جحد صحيح، وأن معنى البـيت: سرى فـي بئر لا تُـحِيرُ علـيه خيرا، ولا يتبـين له فـيها أثرُ عمل، وهو لا يشعر بذلك ولا يدري به. من قولهم: طحنت الطاحنة فما أحارت شيئاً أي لـم يتبـين لها أثر عمل. ويقول فـي سائر الأبـيات الأخر، أعنـي مثل بـيت أبـي النـجم:

فَمَا ألُومُ البِـيضَ أنْ لا تَسْخَرَا


إنـما جاز أن تكون «لا» بـمعنى الـحذف، لأن الـجحد قد تقدمها فـي أول الكلام، فكان الكلام الآخر مواصلاً للأول، كما قال الشاعر:

ما كانَ يَرْضَى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُوَالطَّيِّبـان أبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ


فجاز ذلك، إذ كان قد تقدم الـجحد فـي أول الكلام.

قال أبو جعفر: وهذا القول الآخر أولـى بـالصواب من الأول، إذ كان غير موجود فـي كلام العرب ابتداء الكلام من غير جحد تقدمه ب«لا» التـي معناها الـحذف، ولا جائز العطف بها علـى «سوى»، ولا علـى حرف الاستثناء. وإنـما ل«غير» فـي كلام العرب معان ثلاثة: أحدها الاستثناء، والآخر الـجحد، والثالث سوى، فإذا بطل خطأ «لا» أن يكون بـمعنى الإلغاء مبتدأ وفسد أن يكون عطفـاً علـى «غير» التـي مع «الـمغضوب علـيهم»، لو كانت بـمعنى «إلا» التـي هي استثناء، ولـم يجز أيضاً أن يكون عطفـاً علـيها لو كانت بـمعنى «سوى»، وكانت «لا» موجودة عطفـاً بـالواو التـي هي عاطفة لها علـى ما قبلها، صحّ وثبت أن لا وجه ل«غير» التـي مع «الـمغضوب علـيهم» يجوز توجيهها إلـيه علـى صحة إلا بـمعنى الـجحد والنفـي، وأن لا وجه لقوله: «ولا الضالـين»، إلا العطف علـى «غير الـمغضوب علـيهم».

-7-

فتأويـل الكلام إذا إذ كان صحيحاً ما قلنا بـالذي علـيه استشهدنا: اهدنا الصراط الـمستقـيـم صراط الذين أنعمت علـيهم لا الـمغضوب علـيهم ولا الضالـين.

فإن قال لنا قائل: ومن هؤلاء الضالون الذين أمرنا الله بـالاستعاذة بـالله أن يسلك بنا سبـيـلهم، أو نضل ضلالهم؟ قـيـل: هم الذين وصفهم الله فـي تنزيـله، فقال:

{ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا فـي دِينِكُمْ غيرَ الـحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا منْ قَبْلُ وأضَلُّوا كَثـيراً وضَلُّوا عَنْ سَوَاء السَّبِـيـلِ } (المائدة5: 77)

فإن قال: وما برهانك علـى أنهم أولاء؟ قـيـل:


حدثنا أحد بن الولـيد الرملـي، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا سفـيان بن عيـينة، عن إسماعيـل بن أبـي خالد، عن الشعبـي، عن عديّ بن أبـي حاتـم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { ولا الضَّالِّـينَ } قال: " " النَّصارى " " حدثنا مـحمد بن الـمثنى، أنبأنا مـحمد بن جعفر، أنبأنا شعبة عن سماك، قال: سمعت عبـاد بن حبـيش يحدث عن عديّ بن حاتـم، قال: قال لـي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " " إنَّ الضَّالِّـينَ: النَّصَارَى " " وحدثنـي علـيّ بن الـحسن، قال: حدثنا مسلـم بن عبد الرحمن، قال: حدثنا مـحمد بن مصعب، عن حماد بن سلـمة، عن سماك بن حرب، عن مري بن قطري، عن عديّ بن حاتـم، قال: سألت النبـيّ صلى الله عليه وسلم عن قول الله { وَلا الضَّالِّـينَ } قال: " " النَّصَارَى هُمُ الضَّالونَ " " وحدثنا حميد بن مسعدة الشامي، قال: حدثنا بشر بن الـمفضل، قال: حدثنا الـجريري، عن عبد الله بن شقـيق: أن رجلاً أتـى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مـحاصر وادي القرى قال: قلت: من هؤلاء؟ قال: " " هَؤُلاءِ الضَّالونَ: النَّصَارَى " " وحدثنا يعقوب بن إبراهيـم، قال: حدثنا ابن علـية، عن سعيد الـجريري، عن عروة، يعنـي ابن عبد الله بن قـيس، عن عبد الله بن شقـيق، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنـحوه.

حدثنا الـحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن بديـل العقـيـلـي، قال: أخبرنـي عبد الله بن شقـيق، أنه أخبره من سمع النبـي صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو علـى فرسه وسأله رجل من بنـي القـين فقال: يا رسول الله من هؤلاء؟ قال: " " هَؤلاءِ الضَّالُّونَ " " ، يَعْنِـي النَّصَارَى.

-8-

وحدثنا القاسم قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الـحذاء، عن عبد الله بن شقـيق، أن رجلاً سأل النبـي صلى الله عليه وسلم، وهو مـحاصر وادي القرى وهو علـى فرس من هؤلاء؟ قال: " " الضَّالونَ " " يَعْنِـي النَّصَارَى.

وحدثنا مـحمد بن حميد، قال: حدثنا مهران، عن سفـيان، عن مـجاهد: { ولا الضالـين } قال: النصارى.

وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، عن بشر بن عمار، قال: حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عبـاس: { ولا الضالـين } قال: وغير طريق النصارى الذين أضلهم الله بِفِرْيتهم علـيه. قال: يقول: فألهمنا دينك الـحقّ، وهو لا إلٰه إلاّ الله وحده لا شريك له، حتـى لا تغضبَ علـينا كما غضبت علـى الـيهود ولا تضلَّنا كما أضللت النصارى فتعذّبنا بـما تعذبهم به. يقول: امنعنا من ذلك برفقك ورحمتك وقدرتك.

وحدثنا القاسم قال: حدثنا الـحسين، قال: حدثنـي حجاج، عن ابن جريج، قال: قال ابن عبـاس الضالـين: النصارى.

وحدثنـي موسى بن هارون الهمدانـي، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسبـاط بن نصر، عن إسماعيـل السدي فـي خبر ذكره عن أبـي مالك، وعن أبـي صالـح، عن ابن عبـاس، وعن مرة الهمدانـي، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم: ولا الضالـين: هم النصارى.

وحدثنـي أحمد بن حازم الغفـاري، قال: أخبرنا عبـيد الله بن موسى، عن أبـي جعفر، عن ربـيع: ولا الضالـين: النصارى.

وحدثنـي يونس بن عبد الأعلـى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال عبد الرحمن بن زيد: ولا الضالـين النصارى.

وحدثنا يونس قال: أخبرنا ابن وهب، قال: حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن أبـيه. قال: ولا الضالـين النصارى.

قال أبو جعفر: وكل حائد عن قصد السبـيـل وسالك غير الـمنهج القويـم فضالّ عند العرب لإضلاله وجه الطريق، فلذلك سَمَّى الله جل ذكره النصارى ضُلاّلاً لـخطئهم فـي الـحق منهج السبـيـل، وأخذهم من الدين فـي غير الطريق الـمستقـيـم.

فإن قال قائل: أو لـيس ذلك أيضاً من صفة الـيهود؟ قـيـل: بلـى. فإن قال: كيف خصّ النصارى بهذه الصفة، وخص الـيهود بـما وصفهم به من أنهم مغضوب علـيهم؟ قـيـل: إن كلا الفريقـين ضُلاّل مغضوب علـيهم، غير أن الله جل ثناؤه وَسَم كل فريق منهم من صفته لعبـاده بـما يعرفونه به إذا ذكره لهم، أو أخبرهم عنه، ولـم يَسِمْ واحداً من الفريقـين إلا بـما هو له صفة علـى حقـيقته، وإن كان له من صفـات الذم زيادات علـيه. وقد ظن بعض أهل الغبـاء من القدرية أن فـي وصف الله جل ثناؤه النصارى بـالضلال بقوله: { وَلا الضالِّـين } وإضافته الضلال إلـيهم دون إضافة إضلالهم إلـى نفسه، وتركه وصفهم بأنهم الـمضللون كالذي وصف به الـيهود أنهم الـمغضوب علـيهم، دلالةً علـى صحة ما قاله إخوانه من جَهَلَةِ القدرية جهلاً منه بسعة كلام العرب وتصاريف وجوهه.

-9-

ولو كان الأمر علـى ما ظنه الغبـيّ الذي وصفنا شأنه لوجب أن يكون شأن كل موصوف بصفة أو مضاف إلـيه فعل لا يجوز أن يكون فـيه سبب لغيره، وأن يكون كل ما كان فـيه من ذلك لغيره سبب فـالـحق فـيه أن يكون مضافـاً إلـى مسببه، ولو وجب ذلك لوجب أن يكون خطأ قول القائل: «تـحركت الشجرةُ» إذا حركتها الرياح، و«اضطربت الأرضُ» إذا حركتها الزلزلة، وما أشبه ذلك من الكلام الذي يطول بإحصائه الكتاب.

وفـي قول الله جل ثناؤه:

{ حتَّـى إذا كنْتُـمْ فـي الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهمْ } (يونس10: 22)

بإضافته الـجري إلـى الفلك، وإن كان جَرْيُها بإجراء غيرها إياها، ما يدل علـى خطأ التأويـل الذي تأوله من وصفنا قوله فـي قوله: { وَلا الضَّالـينَ } ، وادعائه أن فـي نسبة الله جل ثناؤه الضلالةَ إلـى من نسبها إلـيه من النصارى تصحيحاً لـما ادعى الـمنكرون أن يكون لله جل ثناؤه فـي أفعال خـلقه سببٌ من أجله وُجدت أفعالهم، مع إبـانة الله عز ذكره نصّاً فـي آي كثـيرة من تنزيـله أنه الـمضلّ الهادي فمن ذلك قوله جل ثناؤه:

{ أفَرأيْتَ مَنِ اتَّـخَذَ إلهَهُ هَوَاهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ علـى عِلْـمٍ وخَتَـمَ علـى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ وجَعَلَ علـى بَصَرِهِ غَشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مَنْ بَعْدِ اللَّهِ أفَلا تَذَكرُونَ } (الجاثية45: 23)

فأنبأ جل ذكره أنه الـمضلّ الهادي دون غيره.


ولكن القرآن نزل بلسان العرب، علـى ما قد قدمنا البـيان عنه فـي أول الكتاب. ومن شأن العرب إضافة الفعل إلـى من وُجد منه، وإن كان مسببه غير الذي وجد منه أحياناً، وأحياناً إلـى مسببه، وإن كان الذي وجد منه الفعل غيرُه. فكيف بـالفعل الذي يكتسبه العبد كسبـاً ويوجده الله جل ثناؤه عينا مُنْشأةً؟ بل ذلك أحرى أن يضاف إلـى مكتسبه كسبـاً له بـالقوة منه علـيه والاختـيار منه له، وإلـى الله جل ثناؤه بإيجاد عينه وإنشائها تدبـيراً.

مسئلة يسأل عنها أَهل الإلـحاد الطاعنون فـي القرآن

إن سألنا منهم سائل فقال: إنك قد قدمت فـي أول كتابك هذا فـي وصف البـيان بأن أعلاه درجة وأشرفه مرتبة، أبلغه فـي الإبـانة عن حاجة الـمبـين به عن نفسه وأبْـينُه عن مراد قائله وأقربه من فهم سامعه، وقلت مع ذلك إن أولـى البـيان بأن يكون كذلك كلام الله جل ثناؤه بفضله علـى سائر الكلام وبـارتفـاع درجته علـى أعلـى درجات البـيان. فما الوجه إذ كان الأمر علـى ما وصفتَ فـي إطالة الكلام بـمثل سورة أمّ القرآن بسبع آيات؟ وقد حوت معانـي جميعها منها آيتان، وذلك قوله:

{ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } (الفاتحة1: 4-5)

إذ كان لا شك أن من عرف:

{ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ } (الفاتحة1: 4)

فقد عرفه بأسمائه الـحسنى وصفـاته الـمثلـى. وأنَّ من كان لله مطيعاً، فلا شك أنه لسبـيـل من أنعم الله علـيه فـي دينه متبع، وعن سبـيـل من غضب علـيه وضل منعدل، فما فـي زيادة الآيات الـخمس البـاقـية من الـحكمة التـي لـم تـحوها الآيتان اللتان ذكرنا؟


قـيـل له: إن الله تعالـى ذكره جمع لنبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم ولأمته بـما أنزل إلـيه من كتابه معانـي لـم يجمعهن بكتاب أنزله إلـى نبـي قبله ولا لأمة من الأمـم قبلهم.

-10-

وذلك أن كل كتاب أنزله جل ذكره علـى نبـي من أنبـيائه قبله، فإنـما أنزله ببعض الـمعانـي التـي يحوي جميعها كتابه الذي أنزله إلـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم، كالتوراة التـي هي مواعظ وتفصيـل، والزَّبُور الذي هو تـحميد وتـمـجيد، والإنـجيـل الذي هو مواعظ وتذكير لا معجزة فـي واحد منها تشهد لـمن أنزل إلـيه بـالتصديق. والكتابُ الذي أنزل علـى نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم يحوي معانـي ذلك كله، ويزيد علـيه كثـيراً من الـمعانـي التـي سائر الكتب غيره منها خالٍ، وقد قدمنا ذكرها فـيـما مضى من هذا الكتاب. ومن أشرف تلك الـمعانـي التـي فضل بها كتابنا سائر الكتب قبله: نظمه العجيب، ورصفه الغريب، وتألـيفه البديع، الذي عجزت عن نظم مثل أصغر سورة منه الـخطبـاء، وكلَّتْ عن وصف شكل بعضه البلغاء، وتـحيرت فـي تألـيفه الشعراء، وتبلَّدت قصوراً عن أن تأتـي بـمثله لديه أفهام الفهماء. فلـم يجدوا له إلا التسلـيـم، والإقرار بأنه من عند الواحد القهار، مع ما يحوي مع ذلك من الـمعانـي التـي هي ترغيب، وترهيب. وأمر، وزجر، وقصص، وجدل، ومثل، وما أشبه ذلك من الـمعانـي التـي لـم تـجتـمع فـي كتاب أنزل إلـى الأرض من السماء.

فمهما يكن فـيه من إطالة علـى نـحو ما فـي أم القرآن، فلـما وصفت قبلُ من أن الله جل ذكره أراد أن يجمع بوصفه العجيب، ونظمه الغريب، الـمنعدل عن أوزان الأشعار، وسجع الكهان، وخطب الـخطبـاء، ورسائل البلغاء، العاجز عن وصف مثله جميع الأنام، وعن نظم نظيره كل العبـاد الدلالة علـى نبوّة نبـينا مـحمد صلى الله عليه وسلم وبـما فـيه من تـحميد وتـمـجيد وثناء علـيه، تنبـيه للعبـاد علـى عظمته وسلطانه وقدرته وعظم مـملكته، لـيذكروه بآلائه ويحمدوه علـى نعمائه، فـيستـحقوا به منه الـمزيد ويستوجبوا علـيه الثوابَ الـجزيـل. وبـما فـيه من نعت من أنعم علـيه بـمعرفته، وتفضل علـيه بتوفـيقه لطاعته، تعريفعبـاده أن كل ما بهم من نعمة فـي دينهم ودنـياهم فمنه، لـيصرفوا رغبتهم إلـيه، ويبتغوا حاجاتهم من عنده دون ما سواه من الآلهة والأنداد، وبـما فـيه من ذكره ما أحل بـمن عصاه من مثلاته، وأنزل بـمن خالف أمره من عقوبـاته ترهيب عبـاده عن ركوب معاصيه، والتعرّض لـما لا قبل لهم به من سخطه، فـيسلك بهم فـي النكال والنقمات سبـيـل من ركب ذلك من الهلاك. فذلك وجه إطالة البـيان فـي سورة أم القرآن، وفـيـما كان نظيراً لها من سائر سور الفرقان، وذلك هو الـحكمة البـالغة والـحجة الكاملة.

-11-

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا الـمـحاربـي، عن مـحمد بن إسحاق، قال: حدثنـي العلاء بن عبد الرَّحمن بن يعقوب، عن أبـي السائب مولـى زهرة، عن أبـي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " " إذَا قالَ العَبْدُ: الـحَمْدُ لِلَّهِ رب العالَـمِينَ، قالَ اللَّهُ: حَمَدَنِـي عَبْدِي، وَإذَا قالَ: الرحْمَنُ الرَّحِيـمِ، قال: أثنى عَلـيَّ عَبْدِي، وَإذَا قالَ: مالِكِ يَوْمِ الدّينِ، قالَ: مَـجَّدَنِـي عَبْدِي، فَهَذَا لـي. وَإذَا قالَ: إياكَ نَعْبُدُ وَإياكَ نَسْتَعِينُ إلـى أنْ يَخْتِـمَ السورَةَ قالَ: فَذَاكَ لَهُ " " حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبدة، عن ابن إسحاق، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبـي السائب، عن أبـي هريرة، قال: إذا قال العبد: الـحمد لله، فذكر نـحوه، ولـم يرفعه.

حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا الولـيد بن كثـير، قال: حدثنـي العلاء بن عبد الرحمن مولـى الـحرقة، عن أبـي السائب، عن أبـي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله.

حدثنـي صالـح بن مسمار الـمروزي، قال: حدثنا زيد بن الـحبـاب، قال: حدثنا عنبسة بن سعيد، عن مطرف بن طريف، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " " قال الله عَزّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَـيْنـي وبـينَ عَبْدِي نِصْفَـيْنِ وَلَهُ ما سألَ، فإذَا قالَ العَبْدُ: الـحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَـمِينَ، قالَ الله: حَمِدَنِـي عَبْدِي، وَإذَا قالَ الرَّحْمَنِ الرَّحيـمِ، قالَ: أثْنى عَلـيَّ عَبْدِي، وَإذَا قالَ: مالكِ يَوْم الدّين، قالَ: مَـجَّدَنِـي عَبْدِي، قالَ: هَذَا لـي وَلَهُ ما بَقـيَ ". "


-12-

__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم
رد مع اقتباس
 
 
  #4  
قديم 12-27-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير الكشاف/ الزمخشري (ت 538 هـ) مصنف و مدقق 1-2

تفسير الكشاف/ الزمخشري (ت 538 هـ) مصنف و مدقق 1-2

{ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }


{ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } بدل من الصراط المستقيم، وهو في حكم تكرير العامل، كأنه قيل: اهدنا الصراط المستقيم، اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، كما قال:

{ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن ءَامَنَ مِنْهُمْ } [الأعراف7: 75]،

فإن قلت: ما فائدة البدل؟ وهلا قيل:اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم؟ قلت: فائدته التوكيد لما فيه من التثنية والتكرير، والإشعار بأنّ الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط المسلمين؛ ليكون ذلك شهادة لصراط المسلمين بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ فلان؛ فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم الأفضل، لأنك ثنيت ذكره مجملاً أوّلاً، ومفصلاً ثانياً، وأوقعت فلاناً تفسيراً وإيضاحاً للأكرم الأفضل فجعلته علماً في الكرم والفضل، فكأنك قلت: من أراد رجلاً جامعاً للخصلتين فعليه بفلان، فهو المشخص المعين لاجتماعهما فيه غير مدافع ولا منازع. والذين أنعمت عليهم: هم المؤمنون، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام؛ لأنّ من أُنعم عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه. وعن ابن عباس: هم أصحاب موسى قبل أن يغيروا، وقيل هم الأنبياء. وقرأ ابن مسعود: «صراط من أنعمت عليهم».


{ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ } بدل من الذين أنعمت عليهم، على معنى أنّ المنعم عليهم: هم الذين سلموا من غضب الله والضلال، أو صفة على معنى أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من غضب الله والضلال. فإن قلت: كيف صح أن يقع { غَيْرِ } صفة للمعرفة وهو لا يتعرّف وإن أضيف إلى المعارف؟ قلت: { ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ } لا توقيت فيه كقوله:

وَلَقَدْ أَمُرُّ على اللَّئِيمِ يَسُبُّني


ولأنّ المغضوب عليهم والضالين خلاف المنعم عليهم، فليس في ـ غير ـ إذاً الإبهام الذي يأبى عليه أن يتعرّف، وقرىء بالنصب على الحال؛ وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في عليهم، والعامل أنعمت، وقيل المغضوب عليهم: هم اليهود؛ لقوله عز وجل:

{ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ } [المائدة5: 60].

والضالون: هم النصارى؛ لقوله تعالى:

{ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ } [المائدة5: 77]،

فإن قلت ما معنى غضب الله؟ قلت: هو إرادة الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده ـ نعوذ بالله من غضبه، ونسأله رضاه ورحمته. فإن قلت: أي فرق بين { عَلَيْهِمْ } الأولى و { عَلَيْهِمْ } الثانية؟ قلت: الأولى محلها النصب على المفعولية، والثانية محلها الرفع على الفاعلية. فإن قلت: لم دخلت «لا» في { وَلاَ ٱلضَّالّينَ }؟ قلت: لما في ـ غير ـ من معنى النفي، كأنه قيل: لا المغضوب عليهم ولا الضالين.

-1-

وتقول: أنا زيداً غير ضارب. مع امتناع قولك أنا زيداً مثل ضارب، لإنه بمنزلة قولك: أنا زيداً لا ضارب. وعن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما قرآ: وغير الضالين. وقرأ أيوب السختياني: «ولا الضألين» ـ بالهمزة ـ، كما قرأ عمرو بن عبيد: «ولا جأن» وهذه لغة من جد في الهرب من التقاء الساكنين. ومنها ما حكاه أبو زيد من قولهم: شأبة، ودأبة. آمين: صوت سمي به الفعل الذي هو استجب، كما أنّ «رويد، وحيهل، وهلم» أصوات سميت بها الأفعال التي هي «أمهل، وأسرع، وأقبل». وعن ابن عباس:

(4) سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن معنى آمين فقال: «افعل» وفيه لغتان: مدّ ألفه، وقصرها. قال:

وَيَرْحَمُ اللَّهُ عَبْداً قالَ آمِينَا


وقال:

أَمِينَ فَزَادَ اللَّهُ ما بَيْنَنَا بُعْدَاً


وعن النبي صلى الله عليه وسلم:

(5) " لقنني جبريل عليه السلام آمين عند فراغي من قراءة فاتحة الكتاب " وقال: " إنه كالختم على الكتاب " وليس من القرآن بدليل أنه لم يثبت في المصاحف. وعن الحسن: لا يقولها الإمام لأنه الداعي. وعن أبي حنيفة رحمه الله مثله، والمشهور عنه وعن أصحابه أنه يخفيها. وروى الإخفاء عبد الله بن مغفل وأنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعند الشافعي يجهر بها. وعن وائل بن حجر:

(6) أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ: ولا الضالين، قال آمين ورفع بها صوته. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال لأبيّ بن كعب:

(7) " ألا أخبرك بسورة لم ينزل في التوراة والإنجيل والقرآن مثلها؟ قلت: بلى يا رسول الله. قال: «فاتحة الكتاب إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " وعن حذيفة بن اليمان أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(8) " إنّ القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتماً مقضياً فيقرأ صبيّ من صبيانهم في الكتاب { الْحَمْدُ للَّهِ رَبّ الْعَـالَمِينَ } فيسمعه الله تعالى فيرفع عنهم بذلك العذاب أربعين سنة ".
-2-
__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم
رد مع اقتباس
 
 
  #5  
قديم 12-27-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن/ الطبرسي (ت 548 هـ) مصنف و مدقق 1-6

تفسير مجمع البيان في تفسير القرآن/ الطبرسي (ت 548 هـ) مصنف و مدقق 1-6


{ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }


القراءة: قرأ حمزة عليهم بضم الهاء وإِسكان الميم وكذلك لديهم وإِليهم, وقرأ يعقوب بضم كل هاء قبلها ياء ساكنة في التثنية والجمع المذكر والمؤنت نحو: عليهما وفيهما وعليهم وفيهم وعليهن وفيهن, وقرأ الباقون عليهم وأخواتها بالكسر, وقرئ في الشواذ: عليهموا قراءة ابن أبي إِسحاق وعيسى الثقفي وعليهمي قراءة الحسن البصري وعمر بن قايد وعليهم مكسورة الهاء مضمومة الميم بغير واو وعليهم مضمومة الهاء والميم من غير بلوغ واو مرويتان عن الأعرج, فهذه سبع قراءات ثم اختلف القراء في الميم فأهل الحجاز وصلوا الميم بواو انضمت الهاء قبلها أو انكسرت قالوا عليهموا وعلى قلوبهموا وعلى سمعهموا ومنهموا ولهموا إِلا أن نافعاً اختلف عنه فيه والباقون بسكون الميم فأما إذا لقي الميم حرف ساكن فإِن القراء اختلفوا فأهل الحجاز وعاصم وابن عامر يضمون على كسر الهاء ويضمون الميم نحو عليهم الذلة ومن دونهم امرأتين, وأبو عمرو يكسر الهاء والميم, وحمزة والكسائي يضمان الهاء والميم معاً, وكل هذا الاختلاف في الهاء التي قبلها كسرة أو ياء ساكنة فإِذا جاوزت هذين الأمرين لم يكن في الهاء إِلا الضم وقرأ صراط من أنعمت عليهم عمر بن الخطاب وعمرو بن عبد الله الزبيري وروي ذلك عن أهل البيت عليهم السلام وقرئ أيضا في الشواذ غير المغضوب عليهم بالنصب وقرأ: غير الضالين عمر بن الخطاب وروي ذلك عن علي (ع).

الحجة: من قرأ عليهم بضم الهاء فإِنه رده إِلى الأصل لأنه إِذا انفرد من حروف يتصل بها قيل: هم فعلوا بضم الهاء قال السراج وهي القراءة القديمة ولغة قريش وأهل الحجاز ومن حولهم من فصحاء اليمن وإِنما خص حمزة هذه الحروف الثلاثة بالضم لأن الياء قبلها كانت ألفاً مثل على القوم ولدى القوم وإِلى القوم, ولا يجوز كسر الهاء إِذا كان قبلها ألف ومن قرأ عليهموا فإِنه اتبع الهاء ما أشبهها وهو الياء وترك ما لا يشبه الياء والألف على الأصل وهو الميم ومن قرأ عليهم فكسر الهاء وأسكن الميم فلأنه أمن اللبس إِذا كانت الألف في التثنية قد دلت على الاثنين ولا ميم في الواحد فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو وأسكنوا الميم طلباً للتخفيف إِذا كان ذلك لا يشكل وإِنما كسر الهاء مع أن الأصل الضم للياء التي قبلها, ومن قرأ عليهموا فلأنه الأصل لأن وسيلة هذه الواو في الجمع وسيلة الألف في التثنية أعني أن ثبات الواو كثبات الألف, ومن قرأ عليهمي فإنه كسر الهاء لوقوع الياء قبلها ساكنة وكسر الميم كراهة للخروج من كسرة الهاء إِلى ضمة الميم ثم انقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها ومن كَسَر الهاء وضم الميم وحذف الواو فإنه احتمل الضمة بعد الكسرة لأنها غير لازمة إِذا كانت ألف التثنية تفتحها لكنه حذف الواو تفاديا من ثقلها مع ثقل الضمة.
-1-

ومن قرأ عليهم فإِنه حذف الواو استخفافاً واحتمل الضمة قبلها دليلاً عليها وأما من ضم الميم إذا لقيها ساكن وكسر الهاء فإِنما يحتج بأن يقول لما احتجت إِلى الحركة رددت الحرف إِلى أصله فضممت وتركت الهاء على كسرها لأنه لم تأت ضرورة تحوج إِلى ردها إِلى الأصل ولأن الهاء إِنما تبعت الياء لأنها شبّهت بها ولم يتبعها الميم لبعدها منه. واحتج من كسر الميم والهاء بأن قال: اتبعت الكسر الكسر لثقل الضم بعد الكسر. قال سيبويه: الهاء تكسر إِذا كان قبلها ياء أو كسرة لأنها خفيفة وهي من حروف الزيادة كما أن الياء من حروف الزيادة وهي من موضع الألف وهي أشبه الحروف بالياء وكما أمالوا الألف في مواضع استخفافاً كذلك كسروا هذه الهاء وقلبوا الواو ياء لأنه لا تثبت واو ساكنة وقبلها كسرة كقولك: مررت بهي ومررت بدار هي قبل.

الإعراب: { صراط الذين } صفة لقولـه: { الصراط المستقيم } ويجوز أن يكون بدلاً عنه الفضل بين الصفة والبدل أن البدل في تقدير تكرير العامل بدلالة تكرير حرف الجر في قولـه تعالى:

{ قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَن ءَامَنَ مِنْهُمْ } [الأعراف7: 75]

وليس كذلك الصفة فكما أعيدت اللام الجارة في الاسم فكذلك العامل الرافع أو الناصب في تقدير التكرير فكأنه قال اهدنا صراط الذين وليس يخرج البدل وإِن كان كذلك عن أن يكون فيه تبيين للأول كما أن الصفة كذلك ولهذا لم يجز سيبويه المسكين بي كان الأمر ولا بك المسكين كما أجاز ذلك في الغائب نحو مررت به المسكين والذين موصول وأنعمت عليهم: صلة وقد تم بها اسماً مفرداً يكون في موضع جر بإضافة صراط إِليه ولا يقال في موضع الرفع اللذون لأنه اسم غير متمكن, وقد حكي اللذون شاذاً كما حكي الشياطون في حال الرفع وأما غير المغضوب عليهم ففي الجر فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون بدلاً من الهاء والميم في عليهم كقول الشاعر:

عَلَى حَالَةٍ لَوْ أَنَّ في القَوْمِ حاتماًعَلَى جُودِهِ لَضنَّ بِالْمَاءِ حَاتِمِ


فجر حاتم على البدل من الهاء في جوده وثانيها: أن يكون بدلاً من الذين وثالثها: أن يكون صفة للذين وإن كان أصل غير أن يكون صفة للنكرة. تقول: مررت برجل غيرك كأنك قلت مررت برجل آخر أو برجل ليس بك. قال الزجاج: وإِنما جاز ذلك لأن الذين ههنا ليس بمقصود قصدهم فهو بمنزلة قولك إني لأمُرُّ بالرجل مثلك فأكرمه. وقال علي بن عيسى الرماني: إِنما جاز أن يكون نعتاً للذين لأن الذين بصلتها ليست بالمعرفة الموقتة كالأعلام نحو زيد وعمرو وإنما هي كالنكرات إِذا عرِّفت نحو الرجل والفرس فلما كانت الذين كذلك كانت صفتها كذلك أيضاً, كما يقال لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل ولو كانت بمنزلة الأعلام لما جاز كما لم يجز مررت بزيد غير الظريف بالجر على الصفة.
-2-

وقال أبو بكر السراج والذي عندي أن غير في هذا الموضع مع ما أضيف إليه معرفة لأن حكم كل مضاف إلى معرفة أن يكون معرفة وإنما تنكرت غير ومثل مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما وذلك أنك إذا قلت رأيت غيرك فكل شيء ترى سوى المخاطب فهو غيره وكذلك إذا قلت: رأيت مثلك فما هو مثله لا يحصى فأما إِذا كان شيئاً معرفة له ضد واحد وأردت اثباته ونفي ضده فعلم ذلك السامع فوصفته بغير وأضفت غير إلى ضده فهو معرفة وذلك نحو قولك: عليك بالحركة غير السكون فغير السكون معرفة وهي الحركة فكأنك كررت الحركة تأكيداً فكذلك قولـه تعالى: { الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم } [الفاتحة: 7] فغير المغضوب هم الذين أنعم الله عليهم فمتى كانت غير بهذه الصفة فهي معرفة وكذلك إِذا عرف إِنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب فقيل فيه قد جاء مثلك كان معرفة إذا أردت المعروف بشبهك. قال ومن جعل غير بدلاً استغنى عن هذا الاحتجاج لأن النكرة قد تبدل من المعرفة وفي نصب غير ثلاثة أوجه أيضاً:

أحدها أن يكون نصباً على الحال من المضمر في عليهم والعامل في الحال أنعمت فكأنه قال: صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوباً عليهم.

وثانيها أن يكون نصباً على الاستثناء المنقطع لأن المغضوب عليهم من غير جنس المنعم عليهم.

وثالثها أن يكون نصباً على أعني كأنّه قال أعني غير المغضوب عليهم ولم يجز أن يقال غير المغضوبين عليهم لأن الضمير قد جمع في عليهم فاستغنى عن أن يجمع المغضوب وهذا حكم كل ما تعدى بحرف جر تقول رأيت القوم غير المذهوب بهم استغنيت بالضمير المجرور في بهم عن جمع المذهوب وأما لا من قولـه: { ولا الضالين } فذهب البصريون إِلى أنها زائدة لتوكيد النفي, وذهب الكوفيون إِلى أنها بمعنى غير, ووجه قول البصريين أنك إِذا قلت ما قام زيد وعمرو, احتمل أن تريد ما قاما معاً ولكن قام كل واحد منهما بانفراده فإذا قلت ما قام زيد ولا عمرو زال الاحتمال غير متضمن معنى النفي ولهذا أجاز النحويون أنت زيداً غير ضارب لأنه بمنزلة قولك أنت زيداً لا ضارب ولا يجوّزون أنت زيداً مثل ضارب لأن زيداً من صلة ضارب ولا يتقدم عليه, وقال علي بن عيسى الرماني من نصب على الاستثناء جعل لا صلة كما أنشد أبو عبيدة:

في بِئْرِ لا حُورٍ سرَى وَمَا شَعَرْ

-3-

أي في بئر هلكة وتقديره غير المغضوب عليهم والضالين كما قال ما منعك أن لا تسجد بمعنى أن تسجد.

المعنى واللغة: معنى الآية بيان الصراط المستقيم أي: صراط من أنعمت عليهم بطاعتك وهم الذين ذكرهم الله تعالى في قولـه:

{ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ } [النساء4: 69]

وأصل النعمة المبالغة والزيادة يقال دققت الدواء فأنعمت دقه أي بالغت في دقه وهذه النعمة وإن لم تكن مذكورة في اللفظ فالكلام يدل عليها لأنه لما قال اهدنا الصراط المستقيم وقد بينا المراد بذلك بيّن أن هذا صراط من أنعم عليهم به ولم يحتج إلى إعادة اللفظ كما قال النابغة:

كَأنَّكَ مِن جِمالِ بَني أُقَيْشٍيُقَعْقَعُ خَلْفَ رَجْلَيْهِ بِشَنٍّ


أي كأنك من جمالهم جمل يقعقع خلف رجليه وأراد بالمغضوب عليهم اليهود عند جميع المفسرين الخاص والعام ويدل عليه قولـه تعالى:

{ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَد ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ } [المائدة5: 77]

وقال الحسن البصري: إن الله تعالى لم يبرئ اليهود من الضلالة بإِضافة الضلالة إِلى النصارى ولم يبرء النصارى من الغضب بإِضافة الغضب إلى اليهود بل كل واحدة من الطائفتين مغضوب عليهم وهم ضالون إلا أن الله تعالى يخص كل فريق بسمة يعرف بها ويميز بينه وبين غيره بها وإِن كانوا مشتركين في صفات كثيرة وقيل المراد بالمغضوب عليهم والضالين جميع الكفار وإِنما ذكروا بالصفتين لاختلاف الفائدتين. واختار الإمام عبد القاهر الجرجاني قولاً آخر قال: إن حق اللفظ فيه أن يكون خرج مخرج الجنس كما تقول نعوذ بالله أن يكون حالنا حال المغضوب عليهم فإنك لا تقصد به قوماً بأعيانهم ولكنك تريد ما تريده بقولك إِذا قلت اللهم اجعلني ممن أنعمت عليهم ولا تجعلني ممن غضبت عليهم فلا تريد أن ههنا قوماً بأعيانهم قد اختصوا بهذه الصفة التي هي كونهم منعماً عليهم وليس يخفى على من عرف الكلام أن العقلاء يقولون اجعلني ممن تديم له النعمة وهم يريدون أن يقولوا أدم عليَّ النعمة ولا يشك عاقل إِذا نظر لقول عنترة:

وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلاَ تَظُنِّيْ غَيْرَهُمِنِّي بِمنزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ


إِنه لم يرد أن يشبهها بإِنسان هو محب مكرم عنده أو عند غيره ولكنه أراد أن يقول إنك محبة مكرمة عندي وأما الغضب من الله تعالى فهو إِرادته انزال العقاب المستحق بهم ولعنهم وبراءته منهم, وأصل الغضب الشدة ومنه الغضبة وهي الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل, والغضوب الحية الخبيثة والناقة العبوس وأصل الضلال الهلاك ومنه قولـه إذا ضللنا في الأرض أي هلكنا ومنه قولـه:
-4-

{ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُم } [محمد47: 8]

أي أهلكها والضلال في الدين الذهاب عن الحق وإِنما لا يقال الذين أنعمت عليهم غير الذين غضبت عليهم مراعاة للأدب في الخطاب واختياراً لحسن اللفظ المستطاب وفي تفسير العياشي رحمه الله روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال سألته عن قولـه تعالى:

{ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ } [الحجر15: 87]

قال فاتحة الكتاب يثني فيها القول قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى منَّ عليَّ بفاتحة الكتاب من كنز الجنة فيها بسم الله الرحمن الرحيم الآية التي يقول الله فيها: { وإِذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفوراً } [الأسراء: 46] " و { الحمد لله رب العالمين } دعوى أهل الجنة حين شكروا لله حسن الثواب ومالك يوم الدين قال جبرائيل عليه السلام ما قالها مسلم إلا صدّقه الله تعالى وأهل سمائه إِياك نعبد إخلاص للعبادة وإِياك نستعين أفضل ما طلب به العباد حوائجهم اهدنا الصراط المستقيم صراط الأنبياء وهم الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم اليهود ولا الضالين النصارى. وروى محمد الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام أنه كان يقرأ مَلك يوم الدين ويقرأ اهدنا صراط المستقيم وفي رواية أخرى يعني أمير المؤمنين (ع) وروى جميل عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كنت خلف إمام ففرغ من قراءة الفاتحة فقل أنت من خلفه الحمد لله رب العالمين. وروى فضيل بن يسار عنه عليه السلام قال: إِذا قرأت الفاتحة ففرغت من قراءتها فقل الحمد لله رب العالمين.


النظم: وأما نظم هذه السورة فأقول فيه: إن العاقل المميز إذا عرف نعم الله سبحانه بالمشاهدة وكان له من نفسه بذلك أعدل شاهد وأصدق رائد ابتدأ بآية التسمية استفتاحاً باسم المنعم واعترافاً بآلهيته واسترواحاً إلى ذكر فضله ورحمته, ولما اعترف بالمنعم الفرد اشتغل بالشكر له والحمد فقال الحمد لله, ولمَّا رأى نعم الله تعالى على غيره واضحة كما شاهد آثارها على نفسه لائحة عرف أنه رب الخلائق أجمعين فقال رب العالمين ولما رأى شمول فضله للمربوبين وعموم رزقه للمرزوقين قال الرحمن لما رأى تقصيرهم في واجب شكره وتعذيرهم في الانزجار عند زجره واجتناب نهيه وامتثال أمره وأنه تعالى يتجاوز عنهم بالغفران ولا يؤاخذهم عاجلاً بالعصيان ولا يسلبهم نعمه بالكفران قال الرحيم ولما رأى ما بين العباد من التباغي والتظالم والتكالم والتلاكم وأن ليس بعضهم من شر بعض بسالم على أن وراءهم يوماً ينتصف فيه للمظلوم من الظالم فقال: مالك يوم الدين وإذا عرف هذه الجملة فقد علم أن له خالقاً رازقاً رحيماً يحيي ويميت ويبدئ ويعيد وهو الحيّ لا يشبهه شيء والإله الذي لا يستحق العبادة سواه ولما صار الموصوف بهذا الوصف كالمدرك له بالعيان المشاهد بالبرهان تحول عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب فقال: إياك نعبد وهذا كما أن الإنسان يصف الملك بصفاته فإِذا رآه عدل عن الوصف إلى الخطاب ولما رأى اعتراض الأهواء والشبهات وتعاور الآراء المختلفات ولم يجد معيناً غير الله تعالى سأله الإعانة على الطاعات بجميع الأسباب لها والوصلات فقال وإياك نستعين.
-5-

ولما عرف هذه الجملة وتبين له أنه بلغ من معرفة الحق المدى واستقام على منهج الهدى ولم يأمن العثرة لارتفاع العصمة سأل الله تعالى التوفيق للدوام عليه والثبات والعصمة من الزلات فقال اهدنا الصراط المستقيم وهذا لفظ جامع يشتمل على مسألة معرفة الأحكام والتوفيق لاقامة شرائع الاسلام والاقتداء بمن أوجب الله طاعته من أئمة الأنام واجتناب المحارم والآثام وإِذا علم ذلك علم أن لله سبحانه عباداً خصَّهم بنعمته واصطفاهم على بريّته وجعلهم حججاً على خليقته فسأله أن يلحقه بهم ويسلك به سبيلهم وأن يعصمه عن مثل أحوال الزالين المزلين والضالين المضلين ممن عاند الحق وعمي عن طريق الرشد وخالف سبيل القصد فغضب الله عليه ولعنه وأعد له الخزي المقيم والعذاب الأليم أو شك في واضح الدليل فضلَّ عن سواء السبيل فقال صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
-6-
__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم
رد مع اقتباس
 
 
  #6  
قديم 12-27-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 1-10 من 259

تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 1-10 من 259


{ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }


الفصل الثاني

في تقرير مشرع آخر يدل على أنه يمكن استنباط

المسائل الكثيرة من الألفاظ القليلة

ولنتكلم في قولنا: { أَعُوذُ بِٱللَّهِ } فنقول: أعوذ نوع من أنواع الفعل المضارع، والفعل المضارع نوع من أنواع الفعل، وأما الباء في قوله «بالله» فهي باء الإلصاق، وهي نوع من أنواع حروف الجر، وحروف الجر نوع من أنواع الحروف. وأما قولنا «الله» فهو اسم معين: إما من أسماء الأعلام، أو من الأسماء المشتقة، على اختلاف القولين فيه، والاسم العلم والاسم المشتق كل واحد منهما نوع من أنواع مطلق الاسم، وقد ثبت في العلوم العقلية، أن معرفة النوع ممتنع حصولها إلا بعد معرفة الجنس، لأن الجنس جزء من ماهية النوع، والعلم بالبسيط مقدم على العلم بالمركب لا محالة، فقولنا: { أَعُوذُ بِٱللَّهِ } لا يمكن تحصيل العلم به كما ينبغي إلا بعد معرفة الاسم والفعل والحرف أولاً، وهذه المعرفة لا تحصل إلا بعد ذكر حدودها وخواصها، ثم بعد الفراغ منه لا بدّ من تقسيم الاسم إلى الاسم العلم، وإلى الاسم المشتق، وإلى اسم الجنس، وتعريف كل واحد من هذه الأقسام بحده ورسمه وخواصه، ثم بعد الفراغ منه يجب الكلام في أن لفظة { ٱللَّهِ } اسم علم، أو اسم مشتق، وبتقدير أن يكون مشتقاً فهو مشتق من ماذا؟ ويذكر فيه الوجوه الكثيرة التي قيل بكل واحد منها، وأيضاً يجب البحث عن حقيقة الفعل المطلق، ثم يذكر بعده أقسام الفعل، ومن جملتها الفعل المضارع، ويذكر حده وخواصه وأقسامه، ثم يذكر بعده المباحث المتعلقة بقولنا «أعوذ» على التخصيص، وأيضاً يجب البحث عن حقيقة الحرف المطلق، ثم يذكر بعده حرف الجر وحده وخواصه وأحكامه ثم يذكر بعده باء الإلصاق وحده وخواصه، وعند الوقوف على تمام هذه المباحث يحصل الوقوف على تمام المباحث اللفظية المتعلقة بقوله: { أَعُوذُ بِٱللَّهِ } ومن المعلوم أن المباحث التي أشرنا إلى معاقدها كثيرة جداً.

ثم نقول: والمرتبة الرابعة من المراتب أن نقول: الاسم والفعل والحرف أنواع ثلاثة داخلة تحت جنس الكلمة، فيجب البحث أيضاً عن ماهية الكلمة وحدها وخواصها، وأيضاً فههنا ألفاظ أخرى شبيهة بالكلمة، وهي: الكلام، والقول، واللفظ، واللغة، والعبارة، فيجب البحث عن كل واحد منها، ثم يجب البحث عن كونها من الألفاظ المترادفة، أو من الألفاظ المتباينة، وبتقدير أن تكون ألفاظاً متباينة فإنه يجب ذكر تلك الفروق على التفصيل والتحصيل.

ثم نقول: والمرتبة الخامسة من البحث أن نقول: لا شك أن هذه الكلمات إنما تحصل من الأصوات والحروف، فعند ذلك يجب البحث عن حقيقة الصوت، وعن أسباب وجوده ولا شك أن حدوث الصوت في الحيوان إنما كان بسبب خروج النفس من الصدر، فعندها يجب البحث عن حقيقة النفس، وأنه ما الحكمة في كون الإنسان متنفساً على سبيل الضرورة وأن هذا الصوت يحصل بسبب استدخال النفس أو بسبب إخراجه، وعند هذا تحتاج هذه المباحث إلى معرفة أحوال القلب والرئة، ومعرفة الحجاب الذي هو المبدأ الأول لحركة الصوت ومعرفة سائر العضلات المحركة للبطن والحنجرة واللسان والشفتين، وأما الحرف فيجب البحث أنه هل هو نفس الصوت، أو هيئة موجودة في الصوت مغايرة له؟ وأيضاً لا شك أن هذه الحروف إنما تتولد عند تقطيع الصوت، وهي مخارج مخصوصة في الحلق واللسان والأسنان والشفتين، فيجب البحث عن أحوال تلك المحابس، ويجب أيضاً البحث عن أحوال العضلات التي باعتبارها تتمكن الحيوانات من إدخال الأنواع الكثيرة من الجنس في الوجود وهذه المباحث لا تتم دلالتها إلا عند الوقوف على علم التشريح.
-1-

ثم نقول: والمرتبة السادسة من البحث هي أن الحرف والصوت كيفيات محسوسة بحاسة السمع، وأما الألوان والأضواء فهي

وأما قوله جل جلاله { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } فما أجل هذه المقامات،وأعظم مراتب هذه الدرجات! ومن وقف على ما ذكرناه من البيانات أمكنه أن يطلع على مبادىء هذه الحالات،فقد ظهر بالبيان الذي سبق أن هذه السوره مشتملة على مباحث لا نهاية لها،وأسرار لاغاية لها، وأن قول من يقول هذه السورة مشتملة على عشرة آلاف مسألة،كلام خرج على ما يليق بأفهام السامعين. كيفيات محسوسة بحاسة البصر، والطعوم كيفيات محسوسة بحاسة الذوق، وكذا القول في سائر الكيفيات المحسوسة، فهل يصح أن يقال: هذه الكيفيات أنواع داخلة تحت جنس واحد وهي متباينة بتمام الماهية، وأنه لا مشاركة بينها إلا باللوازم الخارجية أم لا؟.

ثم نقول: والمرتبة السابعة من البحث أن الكيفيات المحسوسة نوع واحد من أنواع جنس الكيف في المشهور، فيجب البحث عن تعريف مقولة الكيف، ثم يجب البحث أن وقوعه على ما تحته هل هو قول الجنس على الأنواع أم لا؟.

ثم نقول: والمرتبة الثامنة أن مقولة الكيف، ومقولة الكم، ومقولة النسبة عرض، فيجب البحث عن مقولة العرض وأقسامه، وعن أحكامه ولوازمه وتوابعه.

ثم نقول: والمرتبة التاسعة أن العرض والجوهر يشتركان في الدخول تحت الممكن والممكن والواجب مشتركان في الدخول تحت الموجود، فيجب البحث عن لواحق الوجود والعدم، وهي كيفية وقوع الموجود على الواجب والممكن أنه هل هو قول الجنس على أنواعه أو هو قول اللوازم على موصوفاتها وسائر المباحث المتعلقة بهذا الباب.

ثم نقول: والمرتبة العاشرة أن نقول: لا شك أن المعلوم والمذكور والمخبر عنه يدخل فيها الموجود والمعدوم، فكيف يعقل حصول أمر أعم من الموجود؟ ومن الناس من يقول المظنون أعم من المعلوم، وأيضاً فهب أن أعم الاعتبارات هو المعلوم، ولا شك أن المعلوم مقابله غير المعلوم، لكن الشيء ما لم تعلم حقيقته امتنع الحكم عليه بكونه مقابلاً لغيره، فلما حكمنا على غير المعلوم بكونه مقابلاً للمعلوم، وجب أن يكون غير المعلوم معلوماً، فحينئذٍ يكون المقابل للمعلوم معلوماً، وذلك محال.
-2-

واعلم أن من اعتبر هذه المراتب العشرة في كل جزء من جزئيات الموجودات فقد انفتحت عليه أبواب مباحث لا نهاية لها، ولا يحيط عقله بأقل القليل منها، فظهر بهذا كيفية الاستنباط للعلوم الكثيرة من الألفاظ القليلة.

الفصل الثالث

في تقرير مشرع آخر لتصحيح ما ذكرناه من استنباط

المسائل الكثيرة من هذه السورة

اعلم أنا إذا ذكرنا مسألة واحدة في هذا الكتاب ودللنا على صحتها بوجوه عشرة فكل واحد من تلك الوجوه والدلائل مسألة بنفسها، ثم إذا حكينا فيها مثلاً شبهات خمسة فكل واحد منها أيضاً مسألة مستقلة بنفسها، ثم إذا أجبنا عن كل واحد منها بجوابين أو ثلاثة فتلك الأجوبة الثلاثة أيضاً مسائل ثلاثة، وإذا قلنا مثلاً: الألفاظ الواردة في كلام العرب جاءت على ستين وجهاً، وفصلنا تلك الوجوه، فهذا الكلام في الحقيقة ستون مسألة، وذلك لأن المسألة لا معنى لها إلا موضع السؤال والتقرير، فلما كان كل واحد من هذه الوجوه كذلك كان كل واحد منها مسألة على حدة، وإذا وقفت على هذه الدقيقة فنقول: إنا لو اعتبرنا المباحث المتعلقة بالاسم والفعل، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بتقسيم الأفعال بالمعلوم والمذكور، والمباحث المتعلقة بالموجود والمعدوم، والمباحث المتعلقة بالواجب والممكن، والمباحث المتعلقة بالجوهر والعرض، والمباحث المتعلقة بمقولة الكيف وكيفية انقسامه إلى الكيفية المحسوسة وغير المحسوسة، والمباحث المتعلقة بالصوت وكيفية حدوثه وكيفية العضلات المحدثة للأصوات والحروف ـ عظم الخطب، واتسع الباب، ولكنا نبدأ في هذا الكتاب بالمباحث المتعلقة بالكلمة والكلام والقول واللفظ والعبارة، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بالاسم والفعل والحرف، ثم ننزل منها إلى المباحث المتعلقة بتقسيمات الأسماء والأفعال والحروف حتى ننتهي إلى الأنواع الثلاثة الموجودة في قوله: { أَعُوذُ بِٱللَّهِ } ونرجو من فضل الله العميم أن يوفقنا للوصول إلى هذا المطلوب الكريم.

الكتاب الأول

في العلوم المستنبطة من قوله: { أَعُوذُ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ }

اعلم أن العلوم المستنبطة من هذه الكلمة نوعان: أحدهما: المباحث المتعلقة باللغة والإعراب والثاني: المباحث المتعلقة بعلم الأصول والفروع.

القسم الأول من هذا الكتاب في المباحث الأدبية المتعلقة بهذه الكلمة، وفيه أبواب.

الباب الأول

في المباحث المتعلقة بالكلمة، وما يجري مجراها، وفيه مسائل

المسألة الأولى: اعلم أن أكمل الطرق في تعريف مدلولات الألفاظ هو طريقة الاشتقاق، ثم إن الاشتقاق على نوعين: الاشتقاق الأصغر، والاشتقاق الأكبر، أما الاشتقاق الأصغر فمثل اشتقاق صيغة الماضي والمستقبل من المصدر، ومثل اشتقاق اسم الفاعل واسم المفعول وغيرهما منه، وأما الاشتقاق الأكبر فهو أن الكلمة إذا كانت مركبة من الحروف كانت قابلة للانقلابات لا محالة، فنقول: أول مراتب هذا التركيب أن تكون الكلمة مركبة من حرفين ومثل هذه الكلمة لا تقبل إلا نوعين من التقليب، كقولنا: «من» وقلبه «نم» وبعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة مركبة من ثلاثة أحرف كقولنا: «حمد» وهذه الكلمة تقبل ستة أنواع من التقليبات، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الثلاثة ابتداء لتلك الكلمة، وعلى كل واحد من التقديرات الثلاث فإنه يمكن وقوع الحرفين الباقيين على وجهين لكن ضرب الثلاثة في اثنين بستة فهذه التقليبات الواقعة في الكلمات الثلاثيات يمكن وقوعها على ستة أوجه، ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة رباعية كقولنا: «عقرب، وثعلب» وهي تقبل أربعة وعشرين وجهاً من التقليبات، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الأربعة ابتداء لتلك الكلمة، وعلى كل واحد من تلك التقديرات الأربعة فإنه يمكن وقوع الحروف الثلاثة الباقية على ستة أنواع من التقليبات، وضرب أربعة في ستة يفيد أربعة وعشرين وجهاً، ثم بعد هذه المرتبة أن تكون الكلمة خماسية كقولنا: «سفرجل» وهي تقبل مائة وعشرين نوعاً من التقليبات، وذلك لأنه يمكن جعل كل واحد من تلك الحروف الخمسة ابتداء لتلك الكلمة وعلى كل واحد من هذه التقديرات فإنه يمكن وقوع الحروف الأربعة الباقية على أربعة وعشرين وجهاً على ما سبق تقريره، وضرب خمسة في أربعة وعشرين بمائة وعشرين والضابط في الباب أنك إذا عرفت التقاليب الممكنة في العدد الأقل ثم أردت أن تعرف عدد التقاليب الممكنة في العدد الذي فوقه فاضرب العدد الفوقاني في العدد الحاصل من التقاليب الممكنة في العدد الفوقاني، والله أعلم.
-3-

المسألة الثانية: اعلم أن اعتبار حال الاشتقاق الأصغر سهل معتاد مألوف، أما الاشتقاق الأكبر فرعايته صعبة، وكأنه لا يمكن رعايته إلا في الكلمات الثلاثية لأن تقاليبها لا تزيد على الستة، أما الرباعيات والخماسيات فإنها كثيرة جداً، وأكثر تلك التركيبات تكون مهملة فلا يمكن رعاية هذا النوع من الاشتقاق فيها إلا على سبيل الندرة.

وأيضاً الكلمات الثلاثية قلما يوجد فيها ما يكون جميع تقاليبها الممكنة معتبرة. بل يكون في الأكثر بعضها مستعملاً وبعضها مهملاً، ومع ذلك فإن القدر الممكن منه هو الغاية القصوى في تحقيق الكلام في المباحث اللغوية.

المسألة الثالثة: في تفسير الكلمة: اعلم أن تركيب الكاف واللام والميم بحسب تقاليبها الممكنة الستة تفيد القوة والشدة، خمسة منها معتبرة، وواحدة ضائع، فالأول: «ك ل م» فمنه الكلام، لأنه يقرع السمع ويؤثر فيه، وأيضاً يؤثر في الذهن بواسطة إفادة المعنى، ومنه الكلم للجرح، وفيه شدة، والكلام ما غلظ من الأرض، وذلك لشدته، الثاني: «ك م ل» لأن الكامل أقوى من الناقص، والثالث: «ل ك م» ومعنى الشدة في اللكم ظاهر، والرابع: «م ك ل» ومنه «بئر مكول» إذا قل مائها، وإذا كان كذلك كان ورودها مكروهاً فيحصل نوع شدة عند ورودها، الخامس: «م ل ك» يقال «ملكت العجين» إذا أمعنت عجنه فاشتد وقوى، ومنه «ملك الإنسان» لأنه نوع قدرة، و «أملكت الجارية» لأن بعلها يقدر عليها.
-4-

المسألة الرابعة: لفظ الكلمة قد يستعمل في اللفظة الواحدة ويراد بها الكلام الكثير الذي قد ارتبط بعضه ببعض كتسميتهم القصيدة بأسرها «كلمة»، ومنها يقال: «كلمة الشهادة»، ويقال: «الكلمة الطيبة صدقة»، ولما كان المجاز أولى من الاشتراك علمنا أن إطلاق لفظ الكلمة على المركب مجاز، وذلك لوجهين، الأول: أن المركب إنما يتركب من المفردات، فإطلاق لفظ الكلمة على الكلام المركب يكون إطلاقاً لاسم الجزء على الكل، والثاني: أن الكلام الكثير إذا ارتبط بعضه ببعض حصلت له وحدة فصار شبيهاً بالمفرد في تلك الوجوه، والمشابهة سبب من أسباب حسن المجاز، فأطلق لفظ الكلمة على الكلام الطويل لهذا السبب.

المسألة الخامسة: لفظ الكلمة جاء في القرآن لمفهومين آخرين: أحدهما: يقال لعيسى كلمة الله، إما لأنه حدث بقوله: «كن» أو لأنه حدث في زمان قليل كما تحدث الكلمة كذلك، والثاني: أنه تعالى سمى أفعاله كلمات، كما قال تعالى في الآية الكريمة:


المسألة السادسة في القول: هذا التركيب بحسب تقاليبه الستة يدل على الحركة والخفة، فالأول: «ق و ل» فمنه القول؛ لأن ذلك أمر سهل على اللسان، الثاني: «ق ل و» ومنه القلو وهو حمار الوحش، وذلك لخفته في الحركة ومنه «قلوت البر والسويق» فهما مقلوان، لأن الشيء إذا قلي جف وخف فكان أسرع إلى الحركة، ومنه القلولي، وهو الخفيف الطائش، والثالث: «و ق ل» الوقل الوعل، وذلك لحركته، ويقال «توقل في الجبل» إذا صعد فيه، والرابع: «و ل ق» يقال: ولق يلق إذا أسرع، وقرىء

{ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ } [النور24: 15]

أي: تخفون وتسرعون، والخامس: «ل و ق» كما جاء في الحديث " لا آكل الطعام إلا ما لوق لي " أي: أعملت اليد في تحريكه وتليينه حتى يصلح، ومنه اللوقة وهي الزبدة قيل لها ذلك لخفتها وإسراع حركتها لأنه ليس بها مسكة الجبن والمصل، والسادس: «ل ق و» ومنه اللقوة وهي العقاب، قيل لها ذلك لخفتها وسرعة طيرانها، ومنه اللقوة في الوجه لأن الوجه اضطرب شكله فكأنه خفة فيه وطيش، واللقوة الناقة السريعة اللقاح.


المسألة السابعة: قال ابن جني رحمه الله تعالى: اللغة فعلة من لغوت أي: تلكمت، وأصلها لغوة ككرة وقلة فإن لاماتها كلها واوات، بدليل قولهم كروت بالكرة وقاوت بالقلة، وقيل فيه لغى يلغى إذا هذا، ومنه قوله تعالى:
-5-

{ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِراماً } [الفرقان25: 72]

قلت: إن ابن جني قد اعتبر الاشتقاق الأكبر في الكلمة والقول ولم يعتبره ههنا، وهو حاصل فيه، فالأول: «ل غ و» ومنه اللغة ومنه أيضاً الكلام اللغو، والعمل اللغو، والثاني: «ل و غ» ويبحث عنه، والثالث: «غ ل و» ومنه يقال: لفلان غلو في كذا، ومنه الغلوة، والرابع: «غ و ل» ومنه قوله تعالى:

{ لاَ فِيهَا غَوْلٌ } [الصافات37: 47]

والخامس: «و غ ل» ومنه يقال: فلان أوغل في كذا والسادس: «و ل غ» ومنه يقال: ولغ الكلب في الإناء، ويشبه أن يكون القدر المشترك بين الكل هو الإمعان في الشيء والخوض التام فيه.


المسألة الثامنة في اللفظ: وأقول: أظن أن إطلاق اللفظ على هذه الأصوات والحروف على سبيل المجاز، وذلك لأنها إنما تحدث عنه إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج فالإنسان عند إخراج النفس من داخل الصدر إلى الخارج يحبسه في المحابس المعينة، ثم يزيل ذلك الحبس، فتتولد تلك الحروف في آخر زمان حبس النفس وأول زمان إطلاقه، والحاصل أن اللفظ هو: الرمي، وهذا المعنى حاصل في هذه الأصوات والحروف من وجهين: الأول: أن الإنسان يرمي ذلك النفس من داخل الصدر إلى خارجه ويلفظه، وذلك هو الإخراج، واللفظ سبب لحدوث هذه الكلمات، فأطلق اسم اللفظ على هذه الكلمات لهذا السبب، والثاني: أن تولد الحروف لما كان بسبب لفظ ذلك الهواء من الداخل إلى الخارج صار ذلك شبيهاً بما أن الإنسان يلفظ تلك الحروف ويرميها من الداخل إلى الخارج، والمشابهة إحدى أسباب المجاز.

المسألة التاسعة، العبارة: وتركيبها من «ع ب ر» وهي في تقاليبها الستة تفيد العبور والانتقال، فالأول: «ع ب ر» ومنه العبارة لأن الإنسان لا يمكنه أن يتكلم بها إلا إذا انتقل من حرف إلى حرف آخر؛ وأيضاً كأنه بسبب تلك العبارة ينتقل المعنى من ذهن نفسه إلى ذهن السامع، ومنه العبرة لأن تلك الدمعة تنتقل من داخل العين إلى الخارج، ومنه العبر لأن الإنسان ينتقل فيها من الشاهد إلى الغائب. ومنه المعبر لأن الإنسان ينتقل بواسطته من أحد طرفي البحر إلى الثاني، ومنه التعبير لأنه ينتقل مما يراه في النوم إلى المعاني الغائبة، والثاني: «ع ر ب» ومنه تسمية العرب بالعرب لكثرة انتقالاتهم بسبب رحلة الشتاء والصيف ومنه «فلان أعرب في كلامه» لأن اللفظ قبل الإعراب يكون مجهولاً فإذا دخله الإعراب انتقل إلى المعرفة والبيان، والثالث: «ب ر ع» ومنه «فلان برع في كذا» إذا تكامل وتزايد، الرابع: «ب ع ر» ومنه البعر لكونه منتقلاً من الداخل إلى الخارج، الخامس: «ر ع ب» ومنه يقال للخوف رعب لأن الإنسان ينتقل عند حدوثه من حال إلى حال أخرى، والسادس: «ر ب ع» ومنه الربع لأن الناس ينتقلون منها وإليها.
-6-

الفرق بين الكلمة والكلام:

المسألة العاشرة: قال أكثر النحوين: الكلمة غير الكلام، فالكلمة هي اللفظة المفردة، والكلام هو الجملة المفيدة، وقال أكثر الأصوليين إنه لا فرق بينهما، فكل واحد منهما يتناول المفرد والمركب، وابن جني وافق النحويين واستبعد قول المتكلمين، وما رأيت في كلامه حجة قوية في الفرق سوى أنه نقل عن سيبويه كلاماً مشعراً بأن لفظ الكلام مختص بالجملة المفيدة، وذكر كلمات أخرى إلا أنها في غاية الضعف، أما الأصوليون فقد احتجوا على صحة قولهم بوجوه، الأول: أن العقلاء قد اتفقوا على أن الكلام ما يضاد الخرس والسكوت، والتكلم بالكلمة الواحدة يضاد الخرس والسكوت، فكان كلاماً، الثاني: أن اشتقاق الكلمة من الكلم، وهو الجرح والتأثير، ومعلوم أن من سمع كلمة واحدة فإنه يفهم معناها، فههنا قد حصل معنى التأثير، فوجب أن يكون كلاماً، والثالث: يصح أن يقال: إن فلاناً تكلم بهذه الكلمة الواحدة، ويصح أن يقال أيضاً: أنه ما تكلم إلا بهذه الكلمة الواحدة، وكل ذلك يدل على أن الكلمة الواحدة كلام، وإلا لم يصح أن يقال تكلم بالكلمة الواحدة، الرابع: أنه يصح أن يقال تكلم فلان بكلام غير تام، وذلك يدل على أن حصول الإفادة التامة غير معتبر في اسم الكلام.

مسألة فقهية في الطلاق:

المسألة الحادية عشرة: تفرع على الاختلاف المذكور مسألة فقهية، وهي أولى مسائل أيمان «الجامع الكبير» لمحمد بن الحسن رحمه الله تعالى، وهي أن الرجل إذا قال لامرأته التي لم يدخل بها: إن كلمتك فأنت طالق ثلاث مرات، قالوا: إن ذكر هذا الكلام في المرة الثانية طلقت طلقة واحدة، وهل تنعقد هذه الثانية طلقة؟ قال أبو حنيفة وصاحباه: تنعقد، وقال زفر: لا تنعقد، وحجة زفر أنه لما قال في المرة الثانية إن كلمتك فعند هذا القدر من الكلام حصل الشرط، لأن اسم الكلام اسم لكل ما أفاد شيئاً، سواء أفاد فائدة تامة أو لم يكن كذلك وإذا حصل الشرط حصل الجزاء، وطلقت عند قوله إن كلمتك، فوقع تمام قوله: «أنت طالق» خارج تمام ملك النكاح، وغير مضاف إليه، فوجب أن لا تنعقد، وحجة أبي حنيفة أن الشرط ـ وهو قوله إن كلمتك ـ غير تام، والكلام اسم للجملة التامة، فلم يقع الطلاق إلا عند تمام قوله إن كلمتك فأنت طالق، وحاصل الكلام أنا إن قلنا إن اسم الكلام يتناول الكلمة الواحدة كان القول قول زفر، وإن قلنا إنه لا يتناول إلا الجملة فالقول قول أبي حنيفة ومما يقوي قول زفر أنه لو قال في المرة الثانية «إن كلمتك» وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله: «فأنت طالق» طلقت، لولا أن هذا القدر كلام وإلا لما طلقت، ومما يقوي قول أبي حنيفة أنه لو قال: «كلما كلمتك فأنت طالق» ثم ذكر هذه الكلمة في المرة الثانية فكلمة «كلما» توجب التكرار فلو كان التكلم بالكلمة الواحدة كلاماً لوجب أن يقع عليه الطلقات الثلاث عند قوله في المرة الثانية: «كلما كلمتك» وسكت عليه ولم يذكر بعده قوله: «فأنت طالق» لأن هذا المجموع مشتمل على ذكر الكلمات الكثيرة، وكل واحد منها يوجب وقوع الطلاق وأقول: لعل زفر يلتزم ذلك.
-7-

المسألة الثانية عشرة: محل الخلاف المذكور بين أبي حنيفة وزفر ينبغي أن يكون مخصوصاً بما إذا قال: «إن كلمتك فأنت طالق» أما لو قال: «إن تكلمت بكلمة فأنت طالق» أو قال: «إن نطقت» أو قال: «إن تلفظت بلفظة» أو قال: «إن قلت قولاً فأنت طالق» وجب أن يكون الحق في جميع هذه المسائل قول زفر قولاً واحداً، والله أعلم.

هل يطلق الكلام على المهمل:

المسألة الثالثة عشرة: لفظ الكلمة والكلام هل يتناول المهمل أم لا؟ منهم من قال يتناوله لأنه يصح أن يقال الكلام منه مهمل ومنه مستعمل، ولأنه يصح أن يقال تكلم بكلام غير مفهوم، ولأن ا لمهمل يؤثر في السمع فيكون معنى التأثير والكلام حاصلاً فيه، ومنهم من قال الكلمة والكلام مختصان بالمفيد، إذ لو لم يعتبر هذا القيد لزم تجويز تسمية أصوات الطيور بالكلمة والكلام.

هل الأصوات الطبيعية تسمى كلاماً:

المسألة الرابعة عشرة: إذا حصلت أصوات متركبة تركيبًا يدل على المعاني إلا أن ذلك التركيب كان تركيباً طبيعياً لا وضعياً فهل يسمى مثل تلك الأصوات كلمة وكلاماً؟ مثل أن الإنسان عند الراحة أو الوجع قد يقول أخ، وعند السعال قد يقول أح أح، فهذه أصوات مركبة، وحروف مؤلفة، وهي دالة على معانٍ مخصوصة، لكن دلالتها على مدلولاتها بالطبع لا بالوضع، فهل تسمى أمثالها كلمات؟ وكذلك صوت القطا يشبه كأنه يقول قطا، وصوت اللقلق يشبه كأنه يقول لق لق، فأمثال هذه الأصوات هل تسمى كلمات؟ اختلفوا فيه، وما رأيت في الجانبين حجة معتبرة، وفائدة هذا البحث تظهر فيما إذا قال: إن سمعت كلمة فعبدي حر، فهل يترتب الحنث والبر على سماع هذه الألفاظ أم لا؟.

المسألة الخامسة عشرة: قال ابن جني: لفظ القول يقع على الكلام التام، وعلى الكلمة الواحدة، على سبيل الحقيقة، أما لفظ الكلام فمختص بالجملة التامة، ولفظ الكلمة مختص بالمفرد وحاصل كلامه في الفرق بين البابين أنا إذا بينا أن تركيب القول يدل على الخفة والسهولة وجب أن يتناول الكلمة الواحدة، أما تركيب الكلام فيفيد التأثير، وذلك لا يحصل إلا من الجملة التامة؛ إلا أن هذا يشكل بلفظ الكلمة، ومما يقوي ذلك قول الشاعر: ـ
-8-

قلت لها قفي فقالت قاف


سمى نطقها بمجرد القاف قولاً.

المسألة السادسة عشرة: قال أيضاً إن لفظ القول يصح جعله مجازاً عن الاعتقادات والآراء، كقولك: فلان يقول بقول أبي حنيفة، ويذهب إلى قول مالك، أي: يعتقد ما كانا يريانه ويقولان به، ألا ترى أنك لو سألت رجلاً عن صحة رؤية الله تعالى فقال: لا تجوز رؤيته، فتقول: هذا قول المعتزلة، ولا تقول هذا كلام المعتزلة إلا على سبيل التعسف، وذكر أن السبب في حسن هذا المجاز أن الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره، فلما حصلت المشابهة من هذا الوجه لا جرم حصل سبب جعله مجازاً عنه.

يستعمل القول في غير النطق:

المسألة السابعة عشرة: لفظ قال قد يستعمل في غير النطق، قال أبو النجم: ـ

قالت له الطير تقدم راشداإنك لا ترجع إلا حامدا


وقال آخر: ـ

وقالت له العينان سمعاً وطاعةوحدرتا كالدر لما يثقب


وقال: ـ

امتلأ الحوض وقال: قطنيمهلاً رويداً قد ملأت بطني


ويقال في المثل: قال الجدار للوتد لم تشقني، قال: سل من يدقني، فإن الذي ورايى ما خلاني ورايى، ومنه قوله تعالى:


المسألة الثامنة عشرة: الذين ينكرون كلام النفس اتفقوا على أن الكلام والقول اسم لهذه الألفاظ والكلمات، أما مثبتو كلام النفس فقد اتفقوا على أن ذلك المعنى النفساني يسمى بالكلام وبالقول، واحتجوا عليه بالقرآن والأثر والشعر: أما القرآن فقوله تعالى:

{ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ لَكَـٰذِبُونَ } [المنافقون63: 1]

وظاهر أنهم ما كانوا كاذبين في اللفظ لأنهم أخبروا أن محمداً رسول الله وكانوا صادقين فيه، فوجب أن يقال إنهم كانوا كاذبين في كلام آخر سوى اللفظ وما هو إلا كلام النفس، ولقائل أن يقول: لا نسلم أنهم ما كانوا كاذبين في القول اللساني، قوله: «أخبروا أن محمداً رسول الله» قلنا: لا نسلم بل أخبروا عن كونهم شاهدين بأن محمداً رسول الله، لأنهم كانوا قالوا:

{ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ } [المنافقون63: 1]

والشهادة لا تحصل إلا مع العلم، وهم ما كانوا عالمين به، فثبت أنهم كانوا كاذبين، فيما أخبروا عنه بالقول اللساني، وأما الأثر فما نقل أن عمر قال يوم السقيفة: كنت قد زورت في نفسي كلاماً فسبقني إليه أبو بكر، وأما الشاعر فقول الأخطل: ـ

إن الكلام لفي الفؤاد وإنماجعل اللسان على الفؤاد دليلا


وأما اللذين أنكروا كون المعنى القائم بالنفس يسمى بالكلام فقد احتجوا عليه بأن من لم ينطق ولم يتلفظ بالحروف يقال إنه لم يتكلم، وأيضاً الحنث والبر يتعلق بهذه الألفاظ، ومن أصحابنا من قال: اسم القول والكلام مشترك بين المعنى النفساني وبين اللفظ اللساني.
-9-

المسألة التاسعة عشرة: هذه الكلمات والعبارات قد تسمى أحاديث، قال الله تعالى:

{ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مّثْلِهِ } [الطور52: 34]

والسبب في هذه التسمية أن هذه الكلمات إنما تتركب من الحروف المتعاقبة المتوالية فكل واحد من تلك الحروف يحدث عقيب صاحبه، فلهذا السبب سميت بالحديث ويمكن أيضاً أن يكون السبب في هذه التسمية أن سماعها يحدث في القلوب العلوم والمعاني، والله أعلم.


المسألة العشرون: ههنا ألفاظ كثيرة، فأحدها: الكلمة، وثانيها: الكلام، وثالثها: القول، ورابعها: اللفظ، وخامسها: العبارة، وسادسها: الحديث، وقد شرحناها بأسرها، وسابعها: النطق ويجب البحث عن كيفية اشتقاقه، وأنه هل هو مرادف لبعض تلك الألفاظ المذكورة أو مباين لها، وبتقدير حصول المباينة فما الفرق.

المسألة الحادية والعشرون: في حد الكلمة، قال الزمخشري في أول «المفصل»: الكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع. وهذا التعريف ليس بجيد، لأن صيغة الماضي كلمة مع أنها لا تدل على معنى مفرد بالوضع، فهذا التعريف غلط، لأنها دالة على أمرين: حدث وزمان وكذا القول في أسماء الأفعال، كقولنا: مه، وصه، وسبب الغلط أنه كان يجب عليه جعل المفرد صفة للفظ، فغلط وجعله صفة للمعنى.

اللفظ مهمل ومستعمل وأقسامه:

المسألة الثانية والعشرون: اللفظ إما أن يكون مهملاً، وهو معلوم، أو مستعملاً وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء من المعاني ألبتة، وهذا هو اللفظ المفرد كقولنا فرس وجمل، وثانيها: أن لا يدل شيء من أجزائه على شيء أصلاً حين هو جزؤه أما باعتبار آخر فإنه يحصل لأجزائه دلالة على المعاني، كقولنا: «عبد الله» فإنا إذا اعتبرنا هذا المجموع اسم علم لم يحصل لشيء من أجزائه دلالة على شيء أصلاً، أما إذا جعلناه مضافاً ومضافاً إليه فإنه يحصل لكل واحد من جزأيه دلالة على شيء آخر، وهذا القسم نسميه بالمركب، وثالثها: أن يحصل لكل واحد من جزأيه دلالة على مدلول آخر على جميع الاعتبارات، وهو كقولنا: «العالم حادث، والسماء كرة، وزيد منطلق» وهذا نسميه بالمؤلف.

المسموع المقيد وأقسامه:

المسألة الثالثة والعشرون: المسموع المفيد ينقسم إلى أربعة أقسام: لأنه إما أن يكون اللفظ مؤلفاً والمعنى مؤلفاً كقولنا: «الإنسان حيوان، وغلام زيد» وإما أن يكون المسموع مفرداً والمعنى مفرداً، وهو كقولنا: «الوحدة» و «النقطة» بل قولنا: «الله» سبحانه وتعالى، وإما أن يكون اللفظ مفرداً والمعنى مؤلفاً وهو كقولك: «إنسان» فإن للفظ مفرد والمعنى ماهية مركبة من أمور كثيرة، وإما أن يكون اللفظ مركباً والمعنى مفرداً، وهو محال.
-10-
__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم
رد مع اقتباس
 
 
  #7  
قديم 12-27-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 11-20 من 259

تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 11-20 من 259



{ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }

المسألة الرابعة والعشرون: الكلمة هي اللفظة المفردة الدالة بالاصطلاح على معنى، وهذا التعريف مركب من قيود أربعة: فالقيد الأول: كونه لفظاً، والثاني: كونه مفرداً، وقد عرفتهما، والثالث: كونه دالاً وهو احتراز عن المهملات، والرابع: كونه دالاً بالاصطلاح وسنقيم الدلالة على أن دلالات الألفاظ وضعية لا ذاتية.

المسألة الخامسة والعشرون: قيل: الكلمة صوت مفرد دال على معنى بالوضع: قال أبو علي بن سينا في كتاب «الأوسط»: وهذا غير جائز لأن الصوت مادة واللفظ جنس، وذكر الجنس أولى من ذكر المادة، وله كلمات دقيقة في الفرق بين المادة والجنس، ومع دقتها فهي ضعيفة قد بينا وجه ضعفها في العقليات، وأقول: السبب عندي في أنه لا يجوز ذكر الصوت أن الصوت ينقسم إلى صوت الحيوان وإلى غيره، وصوت الإنسان ينقسم إلى ما يحدث من حلقه وإلى غيره، والصوت الحادث من الحلق ينقسم إلى ما يكون حدوثه مخصوصاً بأحوال مخصوصة مثل هذه الحروف، وإلى ما لا يكون كذلك مثل الأصوات الحادثة عند الأوجاع والراحات والسعال وغيرها، فالصوت جنس بعيد، واللفظ جنس قريب، وإيراد الجنس القريب أولى من الجنس البعيد.

المسألة السادسة والعشرون: قالت المعتزلة: الشرط في كون الكلمة مفيدة أن تكون مركبة من حرفين فصاعداً، فنقضوه بقولهم: «ق» و «ع» وأجيب عنه بأنه مركب في التقدير فإن الأصل أن يقال: «قي» و «عي» بدليل أن عند التثنية يقال: «قيا» و «عيا» وأجيب عن هذا الجواب بأن ذلك مقدر، أما الواقع فحرف واحد، وأيضاً نقضوه بلام التعريف وبنون التنوين وبالإضافة فإنها بأسرها حروف مفيدة، والحرف نوع داخل تحت جنس الكلمة، ومتى صدق النوع فقد صدق الجنس، فهذه الحروف كلمات مع أنها غير مركبة.

المسألة السابعة والعشرون: الأولى أن يقال: كل منطوق به أفاد شيئاً بالوضع فهو كلمة وعلى هذا التقدير يدخل فيه المفرد والمركب، وبقولنا: منطوق به، يقع الاحتراز عن الخط والإشارة.

دلالة اللفظ على معناه غير ذاتية:

المسألة الثامنة والعشرون: دلالة الألفاظ على مدلولاتها ليست ذاتية حقيقية، خلافاً لعباد.

لنا أنها تتغير باختلاف الأمكنة والأزمنة، والذاتيات لا تكون كذلك، حجة عباد أنه لو لم تحصل مناسبات مخصوصة بين الألفاظ المعينة والمعاني المعينة وإلا لزم أن يكون تخصيص كل واحد منها بمسماه ترجيحاً للممكن من غير مرجح، وهو محال، وجوابنا أنه ينتقض باختصاص حدوث العالم بوقت معين دون ما قبله وما بعده، وإلا لم يرجح، ويشكل أيضاً باختصاص كل إنسان باسم علمه المعين.

المسألة التاسعة والعشرون: وقد يتفق في بعض الألفاظ كونه مناسباً لمعناه مثل تسميتهم القطا بهذا الاسم، لأن هذا اللفظ يشبه صوته، وكذا القول في اللقلق، وأيضاً وضعوا لفظ «الخضم» لأكل الرطب نحو البطيخ والقثاء، ولفظ «القضم» لأكل اليابس نحو قضمت الدابة شعيرها، لأن حرف الخاء يشبه صوت أكل الشيء الرطب وحرف القاف يشبه صوت أكل الشيء اليابس، ولهذا الباب أمثلة كثيرة ذكرها ابن جني في «الخصائص».

-11-

اللغة إلهام:

المسألة الثلاثون: لا يمكننا القطع بأن دلالة الألفاظ توقيفية، ومنهم من قطع به، واحتج فيه بالعقل والنقل: أما العقل فهو أن وضع الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة لا يمكن إلا بالقول، فلو كان ذلك القول بوضع آخر من جانبهم لزم أن يكون كل وضع مسبوقاً بوضع آخر لا إلى نهاية، وهو محال، فوجب الانتهاء إلى ما حصل بتوقيف الله تعالى، وأما النقل فقوله تعالى:

{ وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } [البقرة2: 31]

وأجيب عن الأول بأنه لِمَ لا يجوز أن يكون وضع الألفاظ للمعاني يحصل بالإشارة؟ وعن الثاني لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من التعليم الإلهام؟ وأيضاً لعل هذه اللغات وضعها أقوام كانوا قبل آدم عليه السلام، ثم إنه تعالى علمها لآدم عليه السلام.


المسألة الحادية والثلاثون: لا يمكن القطع بأنها حصلت بالاصطلاح، خلافاً للمعتزلة، واحتجوا بأن العلم بالصفة إذا كان ضرورياً كان العلم بالموصوف أيضاً ضرورياً، فلو خلق الله تعالى العلم في قلب العاقل بأنه وضع هذا اللفظ لهذا المعنى لزم أن يكون العلم بالله ضرورياً وذلك يقدح في صحة التكليف، وأجيب عنه بأنه لِمَ لا يجوز أن يقال: إنه تعالى يخلق علماً ضرورياً في القلب بأن واضعاً وضع هذا اللفظ لهذا المعنى من غير أن يخلق العلم بأن ذلك الواضع هو الله تعالى؟ وعلى هذا التقدير فيزول الإشكال.

المسألة الثانية والثلاثون: لما ضعفت هذه الدلائل جوزنا أن تكون كل اللغات توقيفية وأن تكون كلها اصطلاحية، وأن يكون بعضها توقيفياً وبعضها اصطلاحياً.

المسألة الثالثة والثلاثون: اللفظ المفرد لا يفيد البتة مسماه لأنه ما لم يعلم كون تلك اللفظة موضوعة لذلك المعنى لم يفد شيئاً، لكن العلم بكونها موضوعة لذلك المعنى علم بنسبة مخصوصة بين ذلك اللفظ وذلك المعنى، والعلم بالنسبة المخصوصة بين أمرين مسبوق بكل واحد منهما فلو كان العلم بذلك المعنى مستفاداً من ذلك اللفظ لزم الدور. وهو محال، وأجيب عنه بأنه يحتمل أنه إذا استقر في الخيال مقارنة بين اللفظ المعين والمعنى المعين فعند حصول الشعور باللفظ ينتقل الخيال إلى المعنى، وحينئذٍ يندفع الدور.

المسألة الرابعة والثلاثون: والإشكال المذكور في المفرد غير حاصل في المركب؛ لأن إفادة الألفاظ المفردة لمعانيها إفادة وضعية، أما التركيبات فعقلية، فلا جرم عند سماع تلك المفردات يعتبر العقل تركيباتها ثم يتوصل بتلك التركيبات العقلية إلى العلم بتلك المركبات، فظهر الفرق.

اللفظ يدل على المعنى الذهني لا الخارجي

المسألة الخامسة والثلاثون: للألفاظ دلالات على ما في الأذهان لا على ما في الأعيان ولهذا السبب يقال: الألفاظ تدل على المعاني، لأن المعاني هي التي عناها العاني، وهي أمور ذهنية، والدليل على ما ذكرناه من وجهين: الأول: أنا إذا رأينا جسماً من البعد وظنناه صخرة قلنا إنه صخرة، فإذا قربنا منه وشاهدنا حركته وظنناه طيراً قلنا إنه طير، فإذا ازداد القرب علمنا أنه إنسان فقلنا إنه إنسان، فاختلاف الأسماء عند اختلاف التصورات الذهنية يدل على أن مدلول الألفاظ هو الصور الذهنية لا الأعيان الخارجة، الثاني: أن اللفظ لو دل على الموجود الخارجي لكان إذا قال إنسان العالم قديم وقال آخر العالم حادث لزم كون العالم قديماً حادثاً معاً، وهو محال، أما إذا قلنا إنها دالة على المعاني الذهنية كان هذان القولان دالين على حصول هذين الحكمين من هذين الإنسانين، وذلك لا يتناقض.

-12-

المسألة السادسة والثلاثون: لا يمكن أن تكون جميع الماهيات مسميات بالألفاظ، لأن الماهيات غير متناهية، وما لا نهاية له لا يكون مشعوراً به على التفصيل، وما لا يكون مشعوراً به امتنع وضع الاسم بإزائه.

المسألة السابعة والثلاثون: كل معنى كانت الحاجة إلى التعبير عنه أهم، كان وضع اللفظ بإزائه أولى، مثل صيغ الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والدليل عليه أن الحاجة إلى التعبير عنها ماسة فيكون الداعي إلى ذلك الوضع كاملاً، والمانع زائلاً، وإذا كان الداعي قوياً والمانع زائلاً، كان الفعل به واجب الحصول.

المسألة الثامنة والثلاثون: المعنى الذي يكون خفياً عند الجمهور يمتنع كونه مسمى باللفظ المشهور، مثاله لفظة الحركة لفظة مشهورة وكون الجسم منتقلاً من جانب إلى جانب أمر معلوم لكل أحد، أما الذي يقول به بعض المتكلمين ـ وهو المعنى الذي يوجب ذلك الانتقال ـ فهو أمر خفي لا يتصوره إلا الخواص من الناس، وإذا كان كذلك وجب أن يقال: الحركة اسم لنفس هذا الانتقال لا للمعنى الذي يوجب الانتقال وكذلك يجب أن يكون العلم اسماً لنفس العالمية، والقدرة اسماً للقادرية، لا للمعنى الموجب للعالمية والقادرية.

المعنى اسم للصورة الذهنية:

المسألة التاسعة والثلاثون في المعنى: المعنى اسم للصورة الذهنية لا للموجودات الخارجية لأن المعنى عبارة عن الشيء الذي عناه العاني وقصده القاصد، وذاك بالذات هو الأمور الذهنية، وبالعرض الأشياء الخارجية، فإذا قيل: أن القائل أراد بهذا اللفظ هذا المعنى، فالمراد أنه قصد بذكر ذلك اللفظ تعريف ذلك الأمر المتصور.

المسألة الأربعون: قد يقال في بعض المعاني: إنه لا يمكن تعريفها بالألفاظ، مثل أنا ندرك بالضرورة تفرقة بين الحلاوة المدركة من النبات والحلاوة المدركة من الطبرزذ، فيقال: إنه لا سبيل إلى تعريف هذه التفرقة بحسب اللفظ، وأيضاً ربما اتفق حصول أحوال في نفس بعض الناس ولا يمكنه تعريف تلك الحالة بحسب التعريفات اللفظية، إذا عرفت هذا فنقول: أما القسم الأول: فالسبب فيه أن ما به يمتاز حلاوة النبات من حلاوة الطبرزذ ما وضعوا له في اللغة لفظة معينة، بل لا يمكن ذكرها إلا على سبيل الإضافة، مثل أن يقال حلاوة النبات وحلاوة الطبرزذ، فلما لم توضع لتلك التفرقة لفظة مخصوصة لا جرم لا يمكن تعريفها باللفظ، ولو أنهم وضعوا لها لفظة لقد كان يمكن تعريفها باللفظ على ذلك التقدير، وأما القسم الثاني: وهو أن الإنسان إذا أدرك من نفسه حالة مخصوصة وسائر الناس ما أدركوا تلك الحالة المخصوصة استحال لهذا المدرك وضع لفظ لتعريفه، لأن السامع ما لم يعرف المسمى أولاً لم يمكنه أن يفهم كون هذا اللفظ موضوعاً له، فلما لم يحصل تصور تلك المعاني عند السامعين امتنع منهم أن يتصوروا كون هذه الألفاظ موضوعة لها، فلا جرم امتنع تعريفها، أما لو فرضنا أن جماعة تصوروا تلك المعاني ثم وضعوا لها ألفاظاً مخصوصة فعلى هذا التقدير كان يمكن تعريف تلك الأحوال بالبيانات اللفظية ـ فهكذا يجب أن يتصور معنى ما يقال إن كثيراً من المعاني لا يمكن تعريفها بالألفاظ.

-13-

الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني:

المسألة الحادية والأربعون: في الحكمة في وضع الألفاظ للمعاني: وهي أن الإنسان خلق بحيث لا يستقل بتحصيل جميع مهماته فاحتاج إلى أن يعرف غيره ما في ضميره ليمكنه التوسل به إلى الاستعانة بالغير، ولا بدّ لذلك التعريف من طريق، والطرق كثيرة مثل الكتابة والإشارة والتصفيق باليد والحركة بسائر الأعضاء، إلا أن أسهلها وأحسنها هو تعريف ما في القلوب والضمائر بهذه الألفاظ، ويدل عليه وجوه: أحدها: أن النفس عند الإخراج سبب لحدوث الصوت، والأصوات عند تقطيعاتها أسباب لحدوث الحروف المختلفة، وهذه المعاني تحصل من غير كلفة ومعونة بخلاف الكتابة والإشارة وغيرهما، والثاني: أن هذه الأصوات كما توجد تفنى عقيبه في الحال، فعند الاحتياج إليه تحصل وعند زوال الحاجة تفنى وتنقضي، والثالث: أن الأصوات بحسب التقطيعات الكثيرة في مخارج الحروف تتولد منها الحروف الكثيرة، وتلك الحروف الكثيرة بحسب تركيباتها الكثيرة يتولد منها كلمات تكاد أن تصير غير متناهية، فإذا جعلنا لكل واحد من المعاني واحداً من تلك الكلمات توزعت الألفاظ على المعاني من غير التباس واشتباه، ومثل هذا لا يوجد في الإشارة والتصفيق، فلهذه الأسباب الثلاثة قضت العقول السليمة، بأن أحسن التعريفات لما في القلوب هو الألفاظ.

لذاته معرفة الحق:

المسألة الثانية والأربعون: كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته، والخير لأجل العمل به، وجوهر النفس في أصل الخلقة عار عن هذين الكمالين، ولا يمكنها اكتساب هذه الكمالات إلا بواسطة هذا البدن، فصار تخليق هذا البدن مطلوباً لهذه الحكمة، ثم إن مصالح هذا البدن ما كانت تتم إلا إذا كان القلب ينبوعًا للحرارة الغريزية، ولما كانت هذه الحرارة قوية احتاجت إلى الترويح لأجل التعديل، فدبر الخالق الرحيم الحكيم هذا المقصود بأن جعل للقلب قوة انبساط بها يجذب الهواء البارد من خارج البدن إلى نفسه، ثم إذا بقي ذلك الهواء في القلب لحظة تسخن واحتد وقويت حرارته، فاحتاج القلب إلى دفعه مرة أخرى، وذلك هو الانقباض فإن القلب إذا انقبض انعصر ما فيه من الهواء وخرج إلى الخارج، فهذا هو الحكمة في جعل الحيوان متنفساً، والمقصود بالقصد الأول هو تكميل جوهر النفس بالعلم والعمل، فوقع تخليق البدن في المرتبة الثانية من المطلوبية، ووقع تخليق القلب وجعله منبعاً للحرارة الغريزية في المرتبة الثالثة، ووقع إقدار القلب على الانبساط الموجب لانجذاب الهواء الطيب من الخارج لأجل الترويح في المرتبة الرابعة، ووقع إقدار القلب على الانقباض الموجب لخروج ذلك الهواء المحترق في المرتبة الخامسة، ووقع صرف ذلك الهواء الخارج عند انقباض القلب إلى مادة الصوت في المرتبة السادسة، ثم إن المقدر الحكيم والمدبر الرحيم جعل هذا الأمر المطلوب على سبيل الغرض الواقع في المرتبة السابعة مادة للصوت، وخلق محابس ومقاطع للصوت في الحلق واللسان والأسنان والشفتين، وحينئذٍ يحدث بذلك السبب هذه الحروف المختلفة، ويحدث من تركيباتها الكلمات التي لا نهاية لها، ثم أودع في هذا النطق والكلام حكماً عالية وأسراراً باهرة عجزت عقول الأولين والآخرين عن الإحاطة بقطرة من بحرها وشعلة من شمسها، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة الباهرة والقدرة الغير متناهية.

-14-

الكلام اللساني:

المسألة الثالثة والأربعون: ظهر بما قلناه أنه لا معنى للكلام اللساني إلا الاصطلاح من الناس على جعل هذه الأصوات المقطعة والحروف المركبة معرفات لما في الضمائر، ولو قدرنا أنهم كانوا قد تواضعوا على جعل أشياء غيرها معرفات لما في الضمائر لكانت تلك الأشياء كلاماً أيضاً، وإذا كان كذلك لم يكن الكلام صفة حقيقية مثل العلم والقدرة والإرادة، بل أمراً وضعياً اصطلاحياً، والتحقيق في هذا الباب: أن الكلام عبارة عن فعل مخصوص يفعله الحي القادر لأجل أن يعرف غيره ما في ضميره من الإرادات والاعتقادات، وعند هذا يظهر أن المراد من كون الإنسان متكلماً بهذه الحروف مجرد كونه فاعلاً لها لهذا الغرض المخصوص، وأما الكلام الذي هو صفة قائمة بالنفس فهي صفة حقيقية كالعلوم والقدر والإرادات.

الكلام النفسي والذهني:

المسألة الرابعة والأربعون: لما ثبت أن الألفاظ دلائل على ما في الضمائر والقلوب، والمدلول عليه بهذه الألفاظ هو الإرادات والاعتقادات أو نوع آخر، قالت المعتزلة: صيغة «إفعل» لفظة موضوعة لإرادة الفعل، وصيغة الخبر لفظة موضوعة لتعريف أن ذلك القائل يعتقد أن الأمر لفلاني كذا وكذا، وقال أصحابنا: الطلب النفساني مغاير للإرادة، والحكم الذهني أمر مغاير للاعتقاد، أما بيان أن الطلب النفساني مغاير للإرادة فالدليل عليه أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان، وهذا متفق عليه، ولكن لم يرد منه الإيمان، ولو أراده لوقع، ويدل عليه وجهان: الأول: أن قدرة الكافر إن كانت موجبة للكفر كان خالق تلك القدرة مريداً للكفر، لأن مريد العلة مريد للمعلول، وإن كانت صالحة للكفر والإيمان امتنع رجحان أحدهما على الآخر إلا بمرجح، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد التقسيم الأول فيه، وإن كان من الله تعالى فحينئذٍ يكون مجموع القدرة مع الداعية موجباً للكفر، ومريد العلة مريد للمعلول، فثبت أنه تعالى مريد الكفر من الكافر، والثاني: أنه تعالى عالم بأن الكافر يكفر وحصول هذا العلم ضد لحصول الإيمان، والجمع بين الضدين محال، والعالم بكون الشيء ممتنع الوقوع لا يكون مريداً له، فثبت أنه تعالى أمر الكافر بالإيمان، وثبت أنه لا يريد منه الإيمان فوجب أن يكون مدلول أمر الله تعالى فعل شيء آخر سوى الإرادة، وذلك هو المطلوب، وأما بيان أن الحكم الذهني مغاير للاعتقاد والعلم فالدليل عليه أن القائل إذا قال: العالم قديم فمدلول هذا االلفظ هو حكم هذا القائل بقدم العالم، وقد يقول القائل بلسانه هذا مع أنه يعتقد أن العالم ليس بقديم، فعلمنا أن الحكم الذهني حاصل، والاعتقاد غير حاصل، فالحكم الذهني مغاير للاعتقاد.

-15-

مدلولات الألفاظ:

المسألة الخامسة والأربعون: مدلولات الألفاظ قد تكون أشياء مغايرة للألفاظ: كلفظة السماء والأرض، وقد تكون مدلولاتها أيضاً ألفاظاً كقولنا: اسم، وفعل، وحرف، وعام، وخاص، ومجمل، ومبين، فإن هذه الألفاظ أسماء ومسمياتها أيضاً ألفاظ.

طرق معرفة اللغة:

المسألة السادسة والأربعون: طريق معرفة اللغات إما العقل وحده وهو محال، وإما النقل المتواتر أو الآحاد وهو صحيح، وإما ما يتركب عنهما: كما إذا قيل: ثبت بالنقل جواز إدخال الاستثناء على صيغة من، وثبت بالنقل أن حكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل فيه، فيلزم من مجموعهما بحكم العقل كون تلك الصيغة موضوعة للعموم، وعلى هذا الطريق تعويل الأكثرين في إثبات أكثر اللغات، وهو ضعيف، لأن هذا الاستدلال إنما يصح لو قلنا إن واضع تينك المقدمتين وجب أن يكون معترفاً بهذه الملازمة، وإلا لزم التناقض، لكن الواضع للغات لو ثبت أنه هو الله تعالى وجب تنزيهه عن المناقضة، أما لو كان هو الناس لم يجب ذلك ولما كان هذا الأصل مشكوكاً كان ذلك الدليل مثله.

من اللغة ما بلغنا بالتواتر:

المسألة السابعة والأربعون: اللغات المنقولة إلينا بعضها منقول بالتواتر، وبعضها منقول بالآحاد، وطعن بعضهم في كونها متواترة فقال: أشهر الألفاظ هو قولنا «الله»، وقد اختلفوا فيها فقيل: إنها ليست عربية بل هي عبرية، وقيل: إنها اسم علم، وقيل: إنها من الأسماء المشتقة، وذكروا في اشتقاقها وجوهاً عشرة، وبقي الأمر في هذه الاختلافات موقوفاً إلى الآن وأيضاً فلفظة الإيمان والكفر قد اختلفوا فيهما اختلافاً شديداً، وكذا صيغ الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، مع أنها أشد الألفاظ شهرة، وإذا كان الحال كذلك في الأظهر الأقوى فما ظنك بما سواها؟ والحق أن ورود هذه الألفاظ في أصول هذه الموارد معلوم بالتواتر، فأما ماهياتها واعتباراتها فهي التي اختلفوا فيها، وذلك لا يقدح في حصول التواتر في الأصل.

-16-

المسألة الثامنة والأربعون: منهم من سلم حصول التواتر في بعض هذه الألفاظ في هذا الوقت، إلا أنه زعم أن حال الأدوار الماضية غير معلوم، فلعل النقل ينتهي في بعض الأدوار الماضية إلى الآحاد، وليس لقائل أن يقول: لو وقع ذلك لاشتهر وبلغ إلى حد التواتر، لأن هذه المقدمة إن صحت فإنما تصح في الوقائع العظيمة. وأما التصرفات في الألفاظ فهي وقائع حقيرة، والحق أن العلم الضروري حاصل بأن لفظ السماء والأرض والجدار والدار كان حالها وحال أشباهها في الأزمنة الماضية كحالها في هذا الزمان.

المسألة التاسعة والأربعون: لا شك أن أكثر اللغات منقول بالأحاد، ورواية الواحد إنما تفيد الظن عند اعتبار أحوال الرواة وتصفح أحوالهم بالجرح والتعديل، ثم إن الناس شرطوا هذه الشرائط في رواة الأحاديث، ولم يعتبروها في رواة اللغات، مع أن اللغات تجري مجرى الأصول للأحاديث، ومما يؤكد هذا السؤال أن الأدباء طعن بعضهم في بعض بالتجهيل تارة وبالتفسيق أخرى، والعداوة الحاصلة بين الكوفيين والبصريين مشهورة، ونسبة أكثر المحدثين أكثر الأدباء إلى ما لا ينبغي مشهورة، وإذا كان كذلك صارت رواياتهم غير مقبولة وبهذا الطريق تسقط أكثر اللغات عن درجات القبول، والحق أن أكثر اللغات قريب من التواتر، وبهذا الطريق يسقط هذا الطعن.

دلالة الألفاظ على معانيها ظنية:

المسألة الخمسون: دلالة الألفاظ على معانيها ظنية لأنها موقوفة على نقل اللغات، ونقل الإعرابات والتصريفات، مع أن أول أحوال تلك الناقلين أنهم كانوا آحاداً ورواية الآحاد لا تفيد إلا الظن، وأيضاً فتلك الدلائل موقوفة على عدم الاشتراك، وعدم المجاز، وعدم النقل، وعدم الإجمال، وعدم التخصيص، وعدم المعارض العقلي، فإن بتقدير حصوله يجب صرف اللفظ إلى المجاز، ولا شك أن اعتقاد هذه المقدمات ظن محض، والموقوف على الظن أولى أن يكون ظناً، والله أعلم.

الباب الثاني

في المباحث المستبنطة من الصوت والحروف وأحكامها، وفيه مسائل

كيفية حدوث الصوت:

المسألة الأولى: ذكر الرئيس أبو علي بن سينا في تعريف الصوت أنه كيفية تحدث من تموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع، وأقول: إن ماهية الصوت مدركة بحس السمع وليس في الوجود شيء أظهر من المحسوس حتى يعرف المحسوس به، بل هذا الذي ذكره إن كان ولا بدّ فهو إشارة إلى سبب حدوثه، لا إلى تعريف ماهيته.

-17-

الصوت ليس بجسم:

المسألة الثانية: يقال إن النظَّام المتكلم كان يزعم أن الصوت جسم، وأبطلوه بوجوه: منها أن الأجسام مشتركة في الجسمية وغير مشتركة في الصوت، ومنها أن الأجسام مبصرة وملموسة أولاً وثانياً وليس الصوت كذلك، ومنها أن الجسم باقٍ والصوت ليس كذلك، وأقول: النظام كان من أذكياء الناس ويبعد أن يكون مذهبه أن الصوت نفس الجسم، إلا أنه لما ذهب إلى أن سبب حدوث الصوت تموج الهواء ظن الجهال به أنه يقول أنه عين ذلك الهواء.

المسألة الثالثة: قال بعضهم: الصوت اصطكاك الأجسام الصلبة، وهو باطل؛ لأن الاصطكاك عبارة عن المماسة وهي مبصرة، والصوت ليس كذلك، وقيل: الصوت نفس القرع أو القلع، وقيل إنه تموج الحركة، وكل ذلك باطل؛ لأن هذه الأحوال مبصرة، والصوت غير مبصر، والله أعلم.

المسألة الرابعة: قيل سببه القريب تموج الهواء، ولا نعني بالتموج حركة انتقالية من مبدأ واحد بعينه إلى منتهى واحد بعينه، بل حالة شبيهة بتموج الهواء فإنه أمر يحدث شيئاً فشيئاً لصدم بعد صدم وسكون بعد سكون، وأما سبب التموج فإمساس عنيف، وهو القرع، أو تفريق عنيف، وهو القلع، ويرجع في تحقيق هذا إلى «كتبنا العقلية».

حد الحرف:

المسألة الخامسة: قال الشيخ الرئيس في حد الحرف: إنه هيئة عارضة للصوت يتميز بها عن صوت آخر مثله في الخفة والثقل تميزاً في المسموع.

حروف المد واللين:

المسألة السادسة: الحروف إما مصوتة، وهي التي تسمى في النحو حروف المد واللين، ولا يمكن الابتداء بها أو صامتة وهي ما عداها، أما المصوتة فلا شك أنها من الهيئات العارضة للصوت، وأما الصوامت فمنها ما لا يمكن تمديده كالباء والتاء والدال والطاء، وهي لا توجد إلا في «الآن» الذي هو آخر زمان حبس النفس وأول زمان إرساله، وهي بالنسبة إلى الصوت كالنقطة بالنسبة إلى الخط والآن بالنسبة إلى الزمان، وهذه الحروف ليست بأصوات ولا عوارض أصوات، وإنما هي أمور تحدث في مبدأ حدوث الأصوات، وتسميتها بالحروف حسنة لأن الحرف هو الطرف، وهذه الحروف أطراف الأصوات ومباديها، ومن الصوامت ما يمكن تمديدها بحسب الظاهر، ثم هذه على قسمين: منها ما الظن الغالب أنها آنية الوجود في نفس الأمر، وإن كانت زمانية بحسب الحس، مثل الحاء والخاء، فإن الظن أن هذه جاءت آنية متوالية كل واحد منها آتي الوجود في نفس الأمر، لكن الحس لا يشعر بامتياز بعضها عن بعض فيظنها حرفاً واحداً زمانياً، ومنها ما الظن الغالب كونها زمانية في الحقيقة كالسين والشين، فإنها هيئات عارضة للصوت مستمرة باستمراره.

المسألة السابعة: الحرف لا بدّ وأن يكون إما ساكناً أو متحركاً، ولا نريد به حلول الحركة والسكون فيه، لأنهما من صفات الأجسام، بل المراد أنه يوجد عقيب الصامت بصوت مخصوص.

-18-

المسألة الثامنة: الحركات أبعاض المصوتات، والدليل عليه أن هذه المصوتات قابلة للزيادة والنقصان ولا طرف في جانب النقصان إلا هذه الحركات، ولأن هذه الحركات إذا مدت حدثت المصوتات وذلك يدل على قولنا.

المسألة التاسعة: الصامت سابق على المصوت المقصور الذي يسمى بالحركة، بدليل أن التكلم بهذه الحركات موقوف على التكلم بالصامت، فلو كانت هذه الحركات سابقة على هذه الصوامت لزم الدور، وهو محال.

الكلام حادث لا قديم:

المسألة العاشرة: الكلام الذي هو متركب من الحروف والأصوات فإنه يمتنع في بديهة العقل كونه قديماً لوجهين: الأول: أن الكلمة لا تكون كلمة إلا إذا كانت حروفها متوالية فالسابق المنقضي محدث، لأن ما ثبت عدمه امتنع قدمه، والآتي الحادث بعد انقضاء الأول لا شك أنه حادث، والثاني: أن الحروف التي منها تألفت الكلمة إن حصلت دفعة واحدة لم تحصل الكلمة، لأن الكلمة الثلاثية يمكن وقوعها على التقاليب الستة فلو حصلت الحروف معاً لم يكن وقوعها على بعض تلك الوجوه أولى من وقوعها على سائرها، ولو حصلت على التعاقب كانت حادثة، واحتج القائلون بقدم الحروف بالعقل والنقل: أما العقل فهو أن لكل واحد من هذه الحروف ماهية مخصوصة باعتبارها تمتاز عما سواها، والماهيات لا تقبل الزوال ولا العدم، فكانت قديمة، وأما النقل فهو أن كلام الله قديم، وكلام الله ليس إلا هذه الحروف، فوجب القول بقدم هذه الحروف، أما أن كلام الله قديم فلأن الكلام صفة كمال وعدمه صفة نقص، فلو لم يكن كلام الله قديماً لزم أن يقال إنه تعالى كان في الأزل ناقصاً ثم صار فيما لا يزال كاملاً، وذلك بإجماع المسلمين باطل، وإنما قلنا إن كلام الله تعالى ليس إلا هذه الحروف لوجوه: أحدها: قوله تعالى:

{ وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلاَمَ ٱللَّهِ } [التوبة9: 6]

ومعلوم أن المسموع ليس إلا هذه الحروف، فدل هذا على أن هذه الحروف كلام الله، وثانيها: أن من حلف على سماع كلام الله تعالى فإنه يتعلق البر والحنث بسماع هذه الحروف، وثالثها: أنه نقل بالتواتر إلينا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إن هذا القرآن المسموع المتلو هو كلام الله " فمنكره منكر لما عرف بالتواتر من دين محمد عليه الصلاة والسلام فيلزمه الكفر. والجواب عن الأول أن ما ذكرتم غير مختص بماهية دون ماهي، فيلزمكم قدم الكل، وعن الثاني أن ما ذكرتم من الاستدلال خفي في مقابلة البديهيات فيكون باطلاً.


وصف كلام الله تعالى بالقدم:

المسألة الحادية عشرة: إذا قلنا لهذه الحروف المتوالية والأصوات المتعاقبة إنها كلام الله تعالى كان المراد أنها ألفاظ دالة على الصفة القائمة بذات الله تعالى فأطلق اسم الكلام عليها على سبيل المجاز، وأما حديث الحنث والبر فذلك لأن مبنى الأَيمان على العرف، وإذا قلنا: كلام الله قديم، لم نعن به إلا تلك الصفة القديمة التي هي مدلول هذه الألفاظ والعبارات.

-19-

وإذا قلنا: كلام الله معجزة لمحمد صلى الله عليه وسلم، عنينا به هذه الحروف وهذه الأصوات التي هي حادثة، فإن القديم كان موجوداً قبل محمد عليه الصلاة والسلام فكيف يكون معجزة له؟ وإذا قلنا: كلام الله سور وآيات، عنينا به هذه الحروف، وإذا قلنا: كلام الله فصيح، عنينا به هذه الألفاظ، وإذا شرعنا في تفسير كلام الله تعالى عنينا به أيضاً هذه الألفاظ.

الأصوات التي نقرأ بها ليست كلام الله:

المسألة الثانية عشرة: زعمت الحشوية أن هذه الأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان عين كلام الله تعالى، وهذا باطل، لأنا نعلم بالبديهة أن هذه الحروف والأصوات التي نسمعها من هذا الإنسان صفة قائمة بلسانه وأصواته، فلو قلنا بأنها عين كلام الله تعالى لزمنا القول بأن الصفة الواحدة بعينها قائمة بذات الله تعالى وحالة في بدن هذا الإنسان، وهذا معلوم الفساد بالضرورة، وأيضاً فهذا عين ما يقوله النصارى من أن أقنوم الكلمة حلت في ناسوت صريح، وزعموا أنها حالة في ناسوت عيسى عليه السلام، ومع ذلك فهي صفة لله تعالى، وغير زائلة عنه، وهذا عين ما يقوله الحشوية من أن كلام الله تعالى حال في لسان هذا الإنسان مع أنه غير زائل عن ذات الله تعالى، ولا فرق بين القولين، إلا أن النصارى قالوا: بهذا القول في حق عيسى وحده، وهؤلاء الحمقى قالوا بهذا القول الخبيث في حق كل الناس من المشرق إلى المغرب.

المسألة الثالثة عشرة: قالت الكرامية: الكلام اسم للقدرة على القول، بدليل أن القادر على النطق يقال إنه متكلم، وإن لم يكن في الحال مشتغلاً بالقول، وأيضاً فضد الكلام هو الخرس، لكن الخرس عبارة عن العجز عن القول، فوجب أن يكون الكلام عبارة عن القدرة على القول، وإذا ثبت هذا فهم يقولون: إن كلام الله تعالى قديم، بمعنى أن قدرته على القول قديمة، أما القول فإنه حادث، هذا تفصيل قولهم وقد أبطلناه.

خلاف الحشوية والأشعرية في صفة القرآن:

المسألة الرابعة عشرة: قالت الحشوية للأشعرية: إن كان مرادكم من قولكم: «إن القرآن قديم» هو أن هذا القرآن دال على صفة قديمة متعلقة بجميع المأمورات والمحرمات وجب أن يكون كل كتاب صنف في الدنيا قديماً، لأن ذلك الكتاب له مدلول ومفهوم، وكلام الله سبحانه وتعالى لما كان عام التعلق بجميع المتعلقات كان خبراً عن مدلولات ذلك الكتاب فعلى هذا التقدير لا فرق بين القرآن وبين سائر كتب الفحش والهجو في كونه قديماً بهذا التفسير، وإن كان المراد من كونه قديماً وجهاً آخر سوى ذلك فلا بدّ من بيانه.

-20-

__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم
رد مع اقتباس
 
 
  #8  
قديم 12-27-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 21-30 من 259

تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 21-30 من 259




{ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }

والجواب أنا لا نلتزم كون كلامه تعالى متعلقاً بجميع المخبرات، وعلى هذا التقدير فيسقط هذا السؤال.

واعلم أنا لا نقول: إن كلامه لا يتعلق بجميع المخبرات لكونها كذباً، والكذب في كلام الله محال، لأنه تعالى لما أخبر أن أقواماً أخبروا عن تلك الأكاذيب والفحشيات فهذا لا يكون كذباً، وإنما يمنع منه لأمر يرجع إلى تنزيه الله تعالى عن النقائص، والأخبار عن هذه الفحشيات والسخفيات يجري مجرى النقص، وهو على الله محال. واعلم أن مباحث الحرف والصوت وتشريح العضلات الفاعلات للحروف وذكر الإشكالات المذكورة في قدم القرآن أمور صعبة دقيقة، فالأولى الاكتفاء بما ذكرناه، والله أعلم بالصواب.

الباب الثالث

في المباحث المتعلقة بالاسم والفعل والحرف، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن تقسيم الكلمة إلى هذه الأنواع الثلاثة يمكن إيراده من وجهين: الأول: أن الكلمة إما أن يصح الأخبار عنها وبها، وهي الاسم، وإما أن لا يصح الأخبار عنها، لكن يصح الأخبار بها، وهي الفعل، وإما أن لا يصح الأخبار عنها ولا بها، وهو الحرف واعلم أن هذا التقسيم مبني على أن الحرف والفعل لا يصح الأخبار عنهما، وعلى أن الاسم يصح الأخبار عنه، فلنذكر البحثين في مسألتين.

الكلمة اسم وفعل وحرف:

المسألة الثانية: اتفق النحويون على أن الفعل والحرف لا يصح الأخبار عنهما، قالوا: لأنه لا يجوز أن يقال: ضرب قتل، ولقائل أن يقول المثال الواحد لا يكفي في إثبات الحكم العام، وأيضاً فإنه لا يصح أن يقال: جدار سماء، ولم يدل ذلك على أن الاسم لا يصح الأخبار عنه وبه، لأجل أن المثال الواحد لا يكفي في إثبات الحكم العام، فكذا ههنا، ثم قيل، الذي يدل على صحة الأخبار عن الفعل والحرف وجوه: الأول: أنا إذا أخبرنا عن «ضرب يضرب أضرب» بأنها أفعال فالمخبر عنه في هذا الخبر إما أن يكون اسماً أو فعلاً أو حرفاً، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذباً، وليس كذلك، وإن كان الثاني كان الفعل من حيث أنه فعل مخبراً عنه، فإن قالوا: المخبر عنه بهذا الخبر هو هذه الصيغ، وهي أسماء قلنا: هذا السؤال ركيك، لأنه على هذا التقدير يكون المخبر عنه بأنه فعل اسماً، فرجع حاصل هذا السؤال إلى القسم الأول من القسمين المذكورين في أول هذا الإشكال، وقد أبطلناه، الثاني: إذا أخبرنا عن الفعل والحرف بأنه ليس باسم فالتقدير عين ما تقدم، الثالث: أن قولنا: «الفعل لا يخبر عنه» إخبار عنه بأنه لا يخبر عنه، وذلك متناقض، فإن قالوا: المخبر عنه بأنه لا يخبر عنه هو هذا اللفظ، فنقول: قد أجبنا على هذا السؤال، فإنا نقول: المخبر عنه بأنه لا يخبر عنه إن كان اسماً فهو باطل لأن كل اسم مخبر عنه، وأقل درجاته أن يخبر عنه بأنه اسم، وإن كان فعلاً فقد صار الفعل مخبراً عنه.

-21-

الرابع: الفعل من حيث هو فعل والحرف من حيث هو حرف ماهية معلومة متميزة عما عداها، وكل ما كان كذلك صح الأخبار عنه بكونه ممتازاً عن غيره، فإذا أخبرنا عن الفعل من حيث هو فعل بأنه ماهية ممتازة عن الاسم فقد أخبرنا عنه بهذا الامتياز، الخامس: الفعل إما أن يكون عبارة عن الصيغة الدالة على المعنى المخصوص، وإما أن يكون عبارة عن ذلك المعنى المخصوص الذي هو مدلول لهذه الصيغة، فإن كان الأول فقد أخبرنا عنه بكونه دليلاً على المعنى، وإن كان الثاني فقد أخبرنا عنه بكونه مدلولاً لتلك الصيغة، فهذه سؤالات صعبة في هذا المقام.

المسألة الثالثة: طعن قوم في قولهم: «الاسم ما يصح الأخبار عنه» بأن قالوا: لفظة «أين وكيف وإذا» أسماء مع أنه لا يصح الأخبار عنها، وأجاب عبد القاهر النحوي عنه بأنا إذا قلنا: «الاسم ما جاز الأخبار عنه» أردنا به ما جاز الأخبار عن معناه، ويصح الأخبار عن معنى إذا لأنك إذا قلت: آتيك إذا طلعت الشمس، كان المعنى آتيك وقت طلوع الشمس، والوقت يصح الأخبار عنه، بدليل أنك تقول: طاب الوقت، وأقول هذا العذر ضعيف، لأن «إذا» ليس معناه الوقت فقط، بل معناه الوقت حال ما تجعله ظرفاً لشيء آخر، والوقت حال ما جعل ظرفاً لحادث آخر فإنه لا يمكن الأخبار عنه ألبتة، فإن قالوا لما كان أحد أجزاء ماهيته إسماً وجب كونه اسماً، فنقول: هذا باطل، لأنه إن كفى هذا القدر في كونه اسماً وجب أن يكون الفعل اسماً، لأن الفعل أحد أجزاء ماهيته المصدر، وهو اسم، ولما كان هذا باطلاً فكذا ما قالوه.

المسألة الرابعة: في تقرير النوع الثاني من تقسيم الكلمة أن تقول: الكلمة إما أن يكون معناها مستقلاً بالمعلومية أو لا يكون، والثاني: هو الحرف، أما الأول: فإما أن يدل ذلك اللفظ على الزمان المعين لمعناه، وهو الفعل، أو لا يدل وهو الاسم، وفي هذا القسم سؤالات نذكرها في حد الاسم والفعل.

تعريف الاسم:

المسألة الخامسة في تعريف الاسم: الناس ذكروا فيه وجوهاً، التعريف الأول: أن الاسم هو الذي يصح الأخبار عن معناه، واعلم أن صحة الأخبار عن ماهية الشيء حكم يحصل له بعد تمام ماهيته فيكون هذا التعريف من باب الرسوم لا من باب الحدود، والأشكال عليه من وجهين: الأول: أن الفعل والحرف يصح الأخبار عنهما، والثاني: أن «إذا وكيف وأين» لا يصح الأخبار عنها وقد سبق تقرير هذين السؤالين.

التعريف الثاني: أن الاسم هو الذي يصح أن يأتي فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً، واعلم أن حاصله يرجع إلى أن الاسم هو الذي يصح الأخبار عنه.

-22-

والتعريف الثالث: أن الاسم كلمة تستحق الإعراب في أول الوضع، وهذا أيضاً رسم، لأن صحة الإعراب حالة طارئة على الاسم بعد تمام الماهية، وقولنا في أول الوضع احتراز عن شيئين: أحدهما: المبنيات، فإنها لا تقبل الإعراب بسبب مناسبة بينها وبين الحروف، ولولا هذه المناسبة لقبلت الإعراب، والثاني: أن المضارع معرب لكن لا لذاته بل بسبب كونه مشابهاً للاسم، وهذا التعريف أيضاً ضعيف.

التعريف الرابع: قال الزمخشري في «المفصل»: الاسم ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الاقتران. واعلم أن هذا التعريف مختل من وجوه: الأول: أنه قال في تعريف الكلمة أنها اللفظ الدال على معنى مفرد بالوضع، ثم ذكر فيما كتب من حواشي «المفصل» أنه إنما وجب ذكر اللفظ لأنا لو قلنا: «الكلمة هي الدالة على المعنى» لانتقض بالعقد والخط والإشارة كذلك، مع أنها ليست أسماء. والثاني: أن الضمير في قوله: «في نفسه» إما أن يكون عائداً إلى الدال، أو إلى المدلول، أو إلى شيء ثالث، فإن عاد إلى الدال صار التقدير الاسم ما دل على معنى حصل في الاسم، فيصير المعنى الاسم ما دل على معنى هو مدلوله، وهذا عبث، ثم مع ذلك فينتقض بالحرف والفعل، فإنه لفظ يدل على مدلوله، وإن عاد إلى المدلول صار التقدير الاسم ما دل على معنى حاصل في نفس ذلك المعنى، وذلك يقتضي كون الشيء حاصلاً في نفسه، وهو محال، فإن قالوا معنى كونه حاصلاً في نفسه أنه ليس حاصلاً في غيره، فنقول: فعلى هذا التفسير ينتقض الحد بأسماء الصفات والنسب، فإن تلك المسميات حاصلة في غيرها.

التعريف الخامس: أن يقال: الاسم كلمة دالة على معنى مستقل بالمعلومية من غير أن يدل على الزمان المعين الذي وقع فيه ذلك المعنى، وإنما ذكرنا الكلمة ليخرج الخط والعقد والإشارة فإن قالوا: لم لم يقولوا لفظة دالة على كذا وكذا؟ قلنا: لأنا جعلنا اللفظ جنساً للكلمة، والكلمة جنس للاسم، والمذكور في الحد هو الجنس القريب لا البعيد، وأما شرط الاستقلال بالمعلومية فقيل: إنه باطل طرداً وعكساً، أما الطرد فمن وجوه. الأول: أن كل ما كان معلوماً فإنه لا بدّ وأن يكون مستقلاً بالمعلومية لأن الشيء ما لم تتصور ماهيته امتنع أن يتصور مع غيره، وإذا كان تصوره في نفسه متقدماً على تصوره مع غيره كان مستقلاً بالمعلومية، الثاني: أن مفهوم الحرف يستقل بأن يعلم كونه غير مستقل بالمعلومية، وذلك استقلال. الثالث: أن النحويين اتفقوا على أن «الباء» تفيد الإلصاق، و «من» تفيد التبعيض، فمعنى الإلصاق إن كان مستقلاً بالمعلومية وجب أن يكون المفهوم من الباء مستقلاً بالمعلومية فيصير الحرف اسماً، وإن كان غير مستقل بالمعلومية كان المفهوم من الإلصاق غير مستقبل بالمعلومية، فيصير الاسم حرفاً، وأما العكس فهو أن قولنا:«كم وكيف ومتى وإذا» وما الاستفهامية والشرطية كلها أسامٍ مع أن مفهوماتها غير مستقلة، وكذلك الموصولات.

-23-

الثالث: أن قولنا: «من غير دلالة على زمان ذلك المعنى» يشكل بلفظ الزمان وبالغد وباليوم والاصطباح وبالاغتباق، والجواب عن السؤال الأول: أنا ندرك تفرقة بين قولنا الإلصاق وبين حرف الباء في قولنا: «كتبت بالقلم» فنريد بالاستقلال هذا القدر. فأما لفظ الزمان واليوم والغد فجوابه أن مسمى هذه الألفاظ نفس الزمان، ولا دلالة منها على زمان آخر لمسماه. وأما الاصطباح والاغتباق فجزؤه الزمان، والفعل هو الذي يدل على زمان خارج عن المسمى، والذي يدل على ما تقدم قولهم: اغتبق يغتبق، فأدخلوا الماضي والمستقبل على الاصطباح والاغتباق.

علامات الاسم:

المسألة السادسة: علامات الاسم إما أن تكون لفظية أو معنوية، فاللفظية إما أن تحصل في أول الاسم، وهو حرف تعريف، أو حرف جر، أو في حشوه كياء التصغير، وحرف التكسير، أو في آخره كحرفي التثنية والجمع. وأما المعنوية فهي كونه موصوفاً، وصفة، وفاعلاً، ومفعولاً، ومضافاً إليه، ومخبراً عنه، ومستحقاً للإعراب بأصل الوضع.

تعريفات الفعل:

المسألة السابعة: ذكروا للفعل تعريفات: التعريف الأول: قال سيبويه إنها أمثلة أخذت من لفظ أحداث الأسماء، وينتقض بلفظ الفاعل والمفعول.

التعريف الثاني: أنه الذي أسند إلى شيء ولا يستند إليه شيء وينتقض بإذا وكيف، فإن هذه الأسماء يجب إسنادها إلى شيء آخر، ويمتنع استناد شيء آخر إليها.

التعريف الثالث: قال الزمخشري: الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان، وهو ضعيف لوجهين: الأول: أنه يجب أن يقال: «كلمة دالة على اقتران حدث بزمان» وإنما يجب ذكر الكلمة لوجوه: أحدها: أنا لو لم نقل بذلك لانتقض بقولنا اقتران حدث بزمان فإن مجموع هذه الألفاظ دال على اقتران حدث بزمان مع أن هذا المجموع ليس بفعل، أما إذا قيدناه بالكلمة اندفع هذا السؤال، لأن مجموع هذه الألفاظ ليس كلمة واحدة. وثانيها: أنا لو لم نذكر ذلك لانتقض بالخط والعقد والإشارة، وثالثها: أن الكلمة لما كانت كالجنس القريب لهذه الثلاثة فالجنس القريب واجب الذكر في الحد. الوجه الثاني ما نذكره بعد ذلك.

التعريف الرابع: الفعل كلمة دالة على ثبوت المصدر لشيء غير معين في زمان معين، وإنما قلنا كلمة لأنها هي الجنس القريب، وإنما قلنا دالة على ثبوت المصدر ولم نقل دالة على ثبوت شيء لأن المصدر قد يكون أمراً ثابتاً كقولنا ضرب وقتل وقد يكون عدمياً مثل فني وعدم فإن مصدرهما الفناء والعدم، وإنما قلنا بشيء غير معين لأنا سنقيم الدليل على أن هذا المقدار معتبر، وإنما قلنا في زمان معين احترازاً عن الأسماء.

-24-

واعلم أن في هذه القيود مباحثات: القيد الأول: هو قولنا: «يدل على ثبوت المصدر لشيء» فيه إشكالات: الأول: أنا إذا قلنا خلق الله العالم فقولنا خلق إما أن يدل على ثبوت الخلق لله سبحانه وتعالى أو لا يدل، فإن لم يدل بطل ذلك القيد، وإن دل فذلك الخلق يجب أن يكون مغايراً للمخلوق، وهو إن كان محدثاً افتقر إلى خلق آخر ولزم التسلسل، وإن كان قديماً لزم قدم المخلوق. والثاني: إنا إذا قلنا وجد الشيء فهل دل ذلك على حصول الوجود لشيء أو لم يدل؟ فإن لم يدل بطل هذا القيد، وإن دل لزم أن يكون الوجود حاصلاً لشيء غيره، وذلك الغير يجب أن يكون حاصلاً في نفسه لأن ما لا حصول له في نفسه امتنع حصول غيره له، فيلزم أن يكون حصول الوجود له مسبوقاً بحصول آخر إلى غير النهاية، وهو محال. والثالث: إذا قلنا عدم الشيء وفني فهذا يقتضي حصول العدم وحصول الفناء لتلك الماهية، وذلك محال، لأن العدم والفناء نفي محض فكيف يعقل حصولهما لغيرهما والرابع: إن على تقدير أن يكون الوجود زائداً على الماهية فإنه يصدق قولنا: «إنه حصل الوجود لهذه الماهية» فيلزم حصول وجود آخر لذلك الوجود إلى غير نهاية، وهو محال، وأما على تقدير أن يكون الوجود نفس الماهية فإن قولنا: حدث الشيء وحصل فإنه لا يقتضي حصول وجود لذلك الشيء، وإلا لزم أن يكون الوجود زائداً على الماهية، ونحن الآن إنما نتكلم على تقدير أن الوجود نفس الماهية.

وأما القيد الثاني: وهو قولنا: «في زمان معين» ففيه سؤالات أحدها: أنا إذا قلنا: «وجد الزمان» أو قلنا: «فني الزمان» فهذا يقتضي حصول الزمان في زمان آخر، ولزم التسلسل، فإن قالوا: يكفي في صحة هذا الحد كون الزمان واقعاً في زمان آخر بحسب الوهم الكاذب، قلنا: الناس أجمعوا على أن قولنا حدث الزمان وحصل بعد أن كان معدوماً كلام حق ليس فيه باطل ولا كذب، ولو كان الأمر كما قلتم لزم كونه باطلاً وكذباً، وثانيها: أنا إذا قلنا: كان العالم معدوماً في الأزل، فقولنا: كان فعل فلو أشعر ذلك بحصول الزمان لزم حصول الزمان في الأزل، وهو محال، فإن قالوا: ذلك الزمان مقدر لا محقق، قلنا التقدير الذهني إن طابق الخارج عاد السؤال، وإن لم يطابق كان كذباً، ولزم فساد الحد، وثالثها: أنا إذا قلنا: كان الله موجوداً في الأزل، فهذا يقتضي كون الله زمانياً، وهو محال، ورابعها: أنه ينتقض بالأفعال الناقصة، فإن كان الناقصة إما أن تدل على وقوع حدث في زمان أو لا تدل: فإن دلت كان تاماً لا ناقصاً، لأنه متى دل اللفظ على حصول حدث في زمان معين كان هذا كلاماً تاماً لا ناقصاً، وإن لم يدل وجب أن لا يكون فعلاً، وخامسها: أنه يبطل بأسماء الأفعال، فإنها تدل على ألفاظ دالة على الزمان المعين، والدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء فهذه الأسماء دالة على الزمان المعين، وسادسها: أن اسم الفاعل يتناول إما الحال وإما الاستقبال ولا يتناول الماضي ألبتة، فهو دال على الزمان المعين، والجواب أما السؤالات الأربعة المذكورة على قولنا: «الفعل يدل على ثبوت المصدر لشيء» والثلاثة المذكورة على قولنا «الفعل يدل على الزمان» فجوابها أن اللغوي يكفي في علمه تصور المفهوم، سواء كان حقاً أو باطلاً، وأما قوله: «يشكل هذا الحد بالأفعال الناقصة» قلنا: الذي أقول به وأذهب إليه أن لفظة كان تامة مطلقاً، إلا أن الاسم الذي يسند إليه لفظ كان قد يكون ماهية مفردة مستقلة بنفسها مثل قولنا: كان الشيء، بمعنى حدث وحصل، وقد تكون تلك الماهية عبارة عن موصوفية شيء لشيء آخر مثل قولنا: كان زيد منطلقاً، فإن معناه حدوث موصوفية زيد بالانطلاق فلفظ كان ههنا معناه أيضاً الحدوث والوقوع، إلا أن هذه الماهية لما كانت من باب النسب، والنسبة يمتنع ذكرها إلا بعد ذكر المنتسبين، لا جرم وجب ذكرهما ههنا، فكما أن قولنا: كان زيد، معناه أنه حصل ووجد، فكذا قولنا: كان زيد منطلقاً، معناه أنه حصلت موصوفية زيد بالانطلاق؛ وهذا بحث عميق عجيب دقيق غفل الأولون عنه، وقوله: «خامساً: يبطل ما ذكرتم بأسماء الأفعال» قلنا المعتبر في كون اللفظ فعلاً دلالته على الزمان ابتداء لا بواسطة، وقوله: «سادساً: اسم الفاعل مختص بالحال والاستقبال» قلنا: لا نسلم، بدليل أنهم قالوا: إذا كان بمعنى الماضي لم يعمل عمل الفعل، وإذا كان بمعنى الحال فإنه يعمل عمل الفعل.

-25-

المسألة الثامنة: الكلمة إما أن يكون معناها مستقلاً بالمعلومية، أو لا يكون، وهذا الأخير هو الحرف، فامتياز الحرف عن الاسم والفعل بقيد عدمي، ثم نقول: والمستقل بالمعلومية إما أن يدل على الزمان المعين لذلك المسمى، أو لا يدل، والذي لا يدل هو الاسم، فامتاز الاسم عن الفعل بقيد عدمي، وأما الفعل فإن ماهيته متركبة من القيود الوجودية.

هل يدل الفعل على الفاعل المبهم:

المسألة التاسعة: إذا قلنا: ضرب، فهو يدل على صدور الضرب عن شيء ما إلا أن ذلك الشيء غير مذكور على التعيين، بحسب هذا اللفظ، فإن قالوا: هذا محال، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه لو كان كذلك لكانت صيغة الفعل وحدها محتملة للتصديق والتكذيب، الثاني: أنها لو دلت على استناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر وجب أن يمتنع إسناده إلى شيء معين، وإلا لزم التناقض، ولو دلت على استناد الضرب إلى شيء معين فهو باطل، لأنا نعلم بالضرورة أن مجرد قولنا ضرب ما وضع لاستناد الضرب إلى زيد بعينه أو عمرو بعينه، والجواب عن هذين السؤالين بجواب واحد، وهو أن ضرب صيغة غير موضوعة لإسناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر، بل وضعت لإسناده إلى شيء معين يذكره ذلك القائل فقبل أن يذكره القائل لا يكون الكلام تاماً ولا محتملاً للتصديق والتكذيب، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل.

-26-

المسألة العاشرة: قالوا الحرف ما جاء لمعنى في غيره، وهذه لفظ مبهم، لأنهم إن أرادوا معنى الحرف أن الحرف ما دل على معنى يكون المعنى حاصلاً في غيره وحالاً في غيره لزمهم أن تكون أسماء الأعراض والصفات كلها حروفاً، وإن أرادوا به أنه الذي دل على معنى يكون مدلول ذلك اللفظ غير ذلك المعنى فهذا ظاهر الفساد، وإن أرادوا به معنى ثالثاً فلا بد من بيانه.

المسألة الحادية عشرة: التركيبات الممكنة من هذه الثلاثة ستة: الاسم مع الاسم، وهو الجملة الحاصلة من المبتدأ والخبر، والاسم مع الفعل، وهو الجملة الحاصلة من الفعل والفاعل وهاتان الجملتان مفيدتان بالاتفاق، وأما الثالث ـ وهو الاسم مع الحرف ـ فقيل: إنه يفيد في صورتين.

الصورة الأولى: قولك: «يا زيد» فقيل: ذلك إنما أفاد لأن قولنا يا زيد في تقدير أنادي واحتجوا على صحة قولهم بوجهين: الأول: أن لفظ يا تدخله الأمالة ودخول الأمالة لا يكون إلا في الاسم أو الفعل، والثاني: أن لام الجر تتعلق بها فيقال: «يالزيد» فإن هذه اللام لام الاستغاثة وهي حرف جر، ولو لم يكن قولنا يا قائمة مقام الفعل وإلا لما جاز أن يتعلق بها حرف الجر، لأن الحرف لا يدخل على الحرف، ومنهم من أنكر أن يكون يا بمعنى أنادي واحتج عليه بوجوه: الأول: إن قوله أنادي إخبار عن النداء، والأخبار عن الشيء مغاير للمخبر عنه، فوجب أن يكون قولنا أنادي زيداً مغايراً لقولنا يا زيد، الثاني: أن قولنا أنادي زيداً كلام محتمل للتصديق والتكذيب وقولنا يا زيد لا يحتملها، الثالث: أن قولنا يا زيد ليس خطاباً إلا مع المنادى، وقولنا أنادي زيداً غير مختص بالمنادى. الرابع: أن قولنا يا زيد يدل على حصول النداء في الحال، وقولنا أنادي زيداً لا يدل على اختصاصه بالحال، الخامس: أنه يصح أن يقال أنادي زيداً قائماً، ولا يصح أن يقال يا زيد قائماً، فدلت هذه الوجوه الخمسة على حصول التفرقة بين هذين اللفظين.

الصورة الثانية: قولنا: «زيد في الدار» فقولنا زيد مبتدأ والخبر هو ما دل عليه قولنا في إلا أن المفهوم من معنى الظرفية قد يكون في الدار أو في المسجد، فأضيفت هذه الظرفية إلى الدار لتتميز هذه الظرفية عن سائر أنواعها، فإن قالوا: هذا الكلام إنما أفاد لأن التقدير زيد استقر في الدار وزيد مستقر في الدار، فنقول: هذا باطل، لأن قولنا استقر معناه حصل في الاستقرار فكان قولنا فيه يفيد حصولاً آخر؛ وهو أنه حصل فيه حصول ذلك الاستقرار وذلك يفضي إلى التسلسل وهو محال، ثبت أن قولنا زيد في الدار كلام تام ولا يمكن تعليقه بفعل مقدر مضمر.

-27-

المسألة الثانية عشرة: الجملة المركبة إما أن تكون مركبة تركيباً أولياً أو ثانوياً، أما المركبة تركيباً أولياً فهي الجملة الإسمية أو الفعلية، والأشبه أن الجملة الإسمية أقدم في الرتبة من الجملة الفعلية لأن الاسم بسيط والفعل مركب، والبسيط مقدم على المركب، فالجملة الإسمية يجب أن تكون أقدم من الجملة الفعلية، ويمكن أن يقال: بل الفعلية أقدم؛ لأن الاسم غير أصيل في أن يسند إلى غيره، فكانت الجملة الفعلية أقدم من الجملة الإسمية، وأما المركبة تركيباً ثانوياً فهي الجملة الشرطية كقولك: «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» لأن قولك: «الشمس طالعة» جملة وقولك: «النهار موجود» جملة أخرى، ثم أدخلت حرف الشرط في إحدى الجملتين، وحرف الجزاء في الجملة الأخرى، فحصل من مجموعهما جملة واحدة، والله سبحانه وتعالى أعلم.

الباب الرابع

في تقسيمات الاسم إلى أنواعه، وهي من وجوه:

أنواع الاسم:

التقسيم الأول: إما أن يكون نفس تصور معناه مانعاً من الشركة، أو لا يكون، فإن كان الأول، فإما أن يكون مظهراً، وهو العلم، وإما أن يكون مضمراً، وهو معلوم، وأما إذا لم يكن مانعاً من الشركة فالمفهوم منه: إما أن يكون ماهية معينة، وهو أسماء الأجناس، وإما أن يكون مفهومه أنه شيء ما موصوف بالصفة الفلانية، وهو المشتق، كقولنا أسود، فإن مفهومه أنه شيء ماله سواد. فثبت بما ذكرناه أن لاسم جنس تحته أنواع ثلاثة: أسماء الأعلام، وأسماء الأجناس، والأسماء المشتقة، فلنذكر أحكام هذه الأقسام.

أحكام الأعلام:

النوع الأول: أحكام الأعلام، وهي كثيرة: الحكم الأول: قال المتكلمون: اسم العلم لا يفيد فائدة أصلاً، وأقول: حق أن العلم لا يفيد صفة في المسمى. وأما ليس بحق أنه لا يفيد شيئاً، وكيف وهو يفيد تعريف تلك الذات المخصوصة؟ الحكم الثاني: اتفقوا على أن الأجناس لها أعلام، فقولنا: «أسد» اسم جنس لهذه الحقيقة؛ وقولنا: «أسامة» اسم علم لهذه الحقيقة، وكذلك قولنا: «ثعلب» اسم جنس لهذه الحقيقة، وقولنا: «ثعالة» اسم علم لها وأقول: الفرق بين اسم الجنس وبين علم الجنس من وجهين: الأول: إن اسم العلم هو الذي يفيد الشخص المعين من حيث إنه ذلك المعين، فإذا سمينا أشخاصاً كثيرين باسم زيد فليس ذلك لأجل أن قولنا: «زيد» موضوع لإفادة القدر المشترك بين تلك الأشخاص، بل لأجل أن لفظ زيد وضع لتعريف هذه الذات من حيث أنها هذه، ولتعريف تلك من حيث إنها تلك على سبيل الاشتراك، إذا عرفت هذا فنقول: إذا قال الواضع: وضعت لفظ أسامة لإفادة ذات كل واحد من أشخاص الأسد بعينها من حيث هي هي على سبيل الاشتراك اللفظي، كان ذلك علم الجنس، وإذا قال: وضعت لفظ الأسد لإفادة الماهية التي هي القدر المشترك بين هذه الأشخاص فقط من غير أن يكون فيها دلالة على الشخص المعين، كان هذا اسم الجنس، فقد ظهر الفرق بين اسم الجنس وبين علم الجنس.

-28-

الثاني: أنهم وجدوا أسامة اسماً غير منصرف وقد تقرر عندهم أنه ما لم يحصل في الاسم شيآن لم يخرج عن الصرف، ثم وجدوا في هذا اللفظ التأنيث، ولم يجدوا شيئاً آخر سوى العلمية، فاعتقدوا كونه علماً لهذا المعنى.

الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام:

الحكم الثالث: اعلم أن الحكمة الداعية إلى وضع الأعلام أنه ربما اختص نوع بحكم واحتج إلى الأخبار عنه بذلك الحكم الخاص، ومعلوم أن ذلك الأخبار على سبيل التخصيص غير ممكن إلا بعد ذكر المخبر عنه على سبيل الخصوص، فاحتج إلى وضع الأعلام لهذه الحكمة.

الحكم الرابع: أنه لما كانت الحاجات المختلفة تثبت لأشخاص الناس فوق ثبوتها لسائر الحيوانات، لا جرم كان وضع الأعلام للأشخاص الإنسانية أكثر من وضعها لسائر الذوات.

العلم اسم ولقب وكنية:

الحكم الخامس: في تقسيمات الأعلام، وهي من وجوه: الأول: العلم إما أن يكون اسماً كإبراهيم وموسى وعيسى، أو لقباً كإسرائيل، أو كنية كأبي لهب. واعلم أن هذا التقسيم يتفرع عليه أحكام: الحكم الأول: الشيء إما أن يكون له الاسم فقط، أو اللقب فقط، أو الكنية فقط، أو الاسم مع اللقب، أو الاسم مع الكنية، أو اللقب مع الكنية، واعلم أن سيبويه أفرد أمثلة الأقسام المذكورة من تركيب الكنية والاسم، وهي ثلاثة: أحدها: الذي له الاسم والكنية كالضبع، فإن اسمها حضاجر، وكنيتها أم عامر، وكذلك يقال للأسد أسامة وأبو الحارث، وللثعلب ثعالة وأبو الحصين، وللعقرب شبوة وأم عريط. وثانيها: أن يحصل له الاسم دون الكنية كقولنا قثم لذكر الضبع، ولا كنية له. وثالثها: الذي حصلت له الكنية ولا اسم له، كقولنا للحيوان المعين أبو براقش. الحكم الثالث: الكنية قد تكون بالإضافات إلى الآباء، وإلى الأمهات، وإلى البنين، وإلى البنات، فالكنى بالآباء كما يقال للذئب أبو جعدة للأبيض، وأبو الجون، وأما الأمهات فكما يقال للداهية أم حبو كرى، وللخمر أم ليلى، وأما البنون فكما يقال للغراب ابن دأية، وللرجل الذي يكون حاله منكشفاً ابن جلا، وأما البنات فكما يقال لصدى ابنة الجبل، وللحصاة بنت الأرض. الحكم الرابع: الإضافة في الكنية قد تكون مجهولة النسب نحو ابن عرس وحمار قبان وقد تكون معلومة النسب نحو ابن لبون وبنت لبون وابن مخاض وبنت مخاض، لأن الناقة /إذا ولدت ولداً ثم حمل عليها بعد ولادتها فإنها لا تصير مخاضاً إلا بعد سنة، والمخاض الحامل المقرب، فولدها إن كان ذكراً فهو ابن مخاض، وإن كان أنثى فهي بنت مخاض، ثم إذا ولدت وصار لها لبن صارت لبوناً فأضيف الولد إليها بإضافة معلومة.

-29-

الحكم الخامس: إذا اجتمع الاسم واللقب: فالاسم إما أن يكون مضافاً أو لا، فإن لم يكن مضافاً أضيف الاسم إلى اللقب يقال هذا سعيد كرز وقيس بطة، لأنه يصير المجموع بمنزلة الاسم الواحد، وأما إن كان الاسم مضافاً فهم يفردون اللقب فيقولون هذا عبد الله بطة.

السرفي وضع الكنية.

الحكم السادس: المقتضى لحصول الكنية أمور: أحدها: الأخبار عن نفس الأمر كقولنا أبو طالب، فإنه كني بابنه طالب، وثانيها: التفاؤل والرجا كقولهم أبو عمرو لمن يرجو ولداً يطول عمره، وأبو الفضل لمن يرجو ولداً جامعاً للفضائل: وثالثها: الإيماء إلى الضد كأبي يحيـى للموت، ورابعها: أن يكون الرجل إنساناً مشهوراً وله أب مشهور فيتقارضان الكنية فإن يوسف كنيته أبو يعقوب ويعقوب كنيته أبو يوسف، وخامسها: اشتهار الرجل بخصلة فيكنى بها إما بسبب اتصافه بها أو انتسابه إليها بوجه قريب أو بعيد.

التقسيم الثاني للأعلام:

التقسيم الثاني للأعلام: العلم إما أن يكون مفرداً كزيد، أو مركباً من كلمتين لا علاقة بينهما كبعلبك، أو بينهما علاقة وهي: أما علاقة الإضافة كعبد الله وأبي زيد، أو علاقة الإسناد وهي إما جملة إسمية أو فعلية، ومن فروع هذا الباب أنك إذا جعلت جملة اسم علم لم تغيرها ألبتة، بل تتركها بحالها مثل تأبط شراً وبرق نرحه.

التقسيم الثالث للأعلام:

التقسيم الثالث: العلم إما أن يكون منقولاً أو مرتجلاً، أما المنقول فإما أن يكون منقولاً عن لفظ مفيد أو غير مفيد، والمنقول من المفيد إما أن يكون منقولاً عن الاسم، أو الفعل أو الحرف، أو ما يتركب منها، أما المنقول عن الاسم فإما أن يكون عن اسم عين: كأسد وثور، أو عن اسم معنى: كفضل ونصر، أو صفة حقيقية: كالحسن، أو عن صفة إضافية كالمذكور والمردود، والمنقول عن الفعل إما أن يكون منقولاً عن صيغة الماضي كشمر، أو عن صيغة المضارع كيحيـى، أو عن الأمر كاطرقا، والمنقول عن الحرف كرجل سميته بصيغة من صيغ الحروف، وأما المنقول عن المركب من هذه الثلاثة فإن كان المركب مفيداً فهو المذكور في التقسيم، وإن كان غير مفيد فهو يفيد، وأما المنقول عن صوت فهو مثل تسمية بعض العلوية بطباطبا، وأما المرتجل فقد يكون قياساً مثل عمران وحمدان فإنهما من أسماء الأجناس مثل سرحان وندمان، وقد يكون شاذاً قلما يوجد له نظير مثل محبب وموهب.

-30-

__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم
رد مع اقتباس
 
 
  #9  
قديم 12-27-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 31-40 من 259

تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 31-40 من 259


{ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }



التقسيم الرابع للأعلام:

التقسيم الرابع: الأعلام إما أن تكون للذوات أو المعاني، وعلى التقديرين فإما أن يكون العلم علم الشخص، أو علم الجنس، فههنا أقسام أربعة، وقبل الخوض في شرح هذه الأقسام فيجب أن تعلم أن وضع الأعلام للذوات أكثر من وضعها للمعاني، لأن أشخاص الذوات هي التي يتعلق الغرض بالأخبار عن أحوالها على سبيل التعيين، أما أشخاص الصفات فليست كذلك في الأغلب. ولنرجع إلى أحكام الأقسام الأربعة، فالقسم الأول: العلم للذوات والشرط فيه أن يكون المسمى مألوفاً للواضع، والأصل في المألوفات الإنسان، لأن مستعمل أسماء الأعلام هو الإنسان، وإلف الشيء بنوعه أتم من إلفه بغير نوعه، وبعد الإنسان الأشياء التي يكثر احتياج الإنسان إليها وتكثر مشاهدته لها، ولهذا السبب وضعوا أعوج ولاحقاً علمين لفرسين، وشذقما وعليا لفحلين، وضمران لكلب، وكساب لكلبة، وأما الأشياء التي لا يألفها الإنسان فقلما يضعون الأعلام لأَشخاصها، أما القسم الثاني: فهو علم الجنس للذوات، وهو مثل أسامة للأسد، وثعالة للثعلب، وأما القسم الثالث: فهو وضع الأعلام للأفراد المعينة من الصفات؛ وهو مفقود لعدم الفائدة، وأما القسم الرابع: فهو علم الجنس للمعاني، والضابط فيه أنا إذا رأينا حصول سبب واحد من الأسباب التسعة المانعة من الصرف ثم منعوه الصرف علمنا أنهم جعلوه علماً لما ثبت أن المنع من الصرف لا يحصل إلا عند اجتماع سببين، وذكر ابن جني أمثلة لهذا الباب، وهي تسميتهم التسبيح بسبحان، والغدو بكيسان، لأنهما غير منصرفين، فالسبب الواحد ـ وهو الألف والنون ـ حاصل. ولا بدّ من حصول العلمية ليتم السببان.

التقسيم الخامس للأعلام:

التقسيم الخامس للأعلام: اعلم أن اسم الجنس قد ينقلب اسم علم. كما إذا كان المفهوم من اللفظ أمراً كلياً صالحاً لأن يشترك فيه كثيرون. ثم إنه في العرف يختص بشخص بعينه، مثل «النجم» فإنه في الأصل اسم لكل نجم، ثم اختص في العرف بالثريا، وكذلك «السماك» اسم مشتق من الارتفاع ثم اختص بكوكب معين.

الباب الخامس

في أحكام أسماء الأجناس والأسماء المشتقة، وهي كثيرة:

أحكام اسم الجنس:

أما أحكام أسماء الأجناس فهي أمور: الحكم الأول: الماهية قد تكون مركبة، وقد تكون بسيطة، وقد ثبت في العقليات أن المركب قبل البسيط في الجنس، وأن البسيط قبل المركب في الفصل، وثبت بحسب الاستقراء أن قوة الجنس سابقة على قوة الفصل في الشدة والقوة، فوجب أن تكون أسماء الماهيات المركبة سابقة على أسماء الماهيات البسيطة.

الحكم الثاني في اسم الجنس:

الحكم الثاني: أسماء الأجناس سابقة بالرتبة على الأسماء المشتقة، لأن الاسم المشتق متفرع على الاسم المشتق منه، فلو كان اسمه أيضاً مشتقاً لزم إما التسلسل أو الدور، وهما محالان، فيجب الانتهاء في الاشتقاقات إلى أسماء موضوعة جامدة، فالموضوع غني عن المشتق والمشتق محتاج إلى الموضوع، فوجب كون الموضوع سابقاً بالرتبة على المشتق، ويظهر بهذا أن هذا الذي يعتاده اللغويون والنحويون من السعي البليغ في أن يجعلوا كل لفظ مشتقاً من شيء آخر سعي باطل وعمل ضائع.

-31-

الحكم الثالث في اسم الجنس:

الحكم الثالث: الموجود إما واجب وإما ممكن، والمكن إما متحيز أو حال في المتحيز؛ أو لا متحيز ولا حال في المتحيز أما هذا القسم الثالث فالشعور به قليل، وإنما يحصل الشعور بالقسمين الأولين، ثم إنه ثبت بالدليل أن المتحيزات متساوية في تمام ذواتها، وأن الاختلاف بينها إنما يقع بسبب الصفات القائمة بها، فالأسماء الواقعة على كل واحد من أنواع الأجسام يكون المسمى بها مجموع الذات مع الصفات المخصوصة القائمة بها، هذا هو الحكم في الأكثر الأغلب.

وأما أحكام الأسماء المشتقة فهي أربعة: الحكم الأول: ليس من شرط الاسم المشتق أن تكون الذات موصوفة بالمشتق منه، بدليل أن المعلوم مشتق من العلم، مع أن العلم غير قائم بالمعلوم. وكذا القول في المذكور والمرئي والمسموع، وكذا القول في اللائق والرامي. الحكم الثاني: شرط صدق المشتق حصول المشتق منه في الحال، بدليل أن من كان كافراً ثم أسلم فإنه يصدق عليه أنه ليس بكافر. وذلك يدل على أن بقاء المشتق منه شرط في صدق الاسم المشتق. الحكم الثالث: المشتق منه إن كان ماهية مركبة لا يمكن حصول أجزائها على الاجتماع، مثل الكلام والقول والصلاة، فإن الاسم المشتق إنما يصدق على سبيل الحقيقة عند حصول الجزء الأخير من تلك الأجزاء. الحكم الرابع: المفهوم من الضارب أنه شيء ماله ضرب، فأما أن ذلك الشيء جسم أو غيره فذلك خارج عن المفهوم لا يعرف إلا بدلالة الالتزام.

الباب السادس

في تقسيم الاسم إلى المعرب والمبني، وذكر الأحكام المفرعة

على هذين القسمين، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في لفظ الأعراب وجهان: أحدهما: أن يكون مأخوذاً من قولهم: «أعرب عن نفسه» إذا بين ما في ضميره، فإن الإعراب إيضاح المعنى، والثاني: أن يكون أعرب منقولاً من قولهم: «عربت معدة الرجل» إذا فسدت، فكان المراد من الإعراب إزالة الفساد ورفع الإبهام، مثل أعجمت الكتاب بمعنى أزلت عجمته.

المسألة الثانية: إذا وضع لفظ الماهية وكانت تلك الماهية مورداً لأحوال مختلفة وجب أن يكون اللفظ مورداً لأَحوال مختلفة لتكون الأحوال المختلفة اللفظية دالة على الأحوال المختلفة المعنوية، كما أن جوهر اللفظ لما كان دالاً على أصل الماهية كان اختلاف أحواله دالاً على اختلاف الأحوال المعنوية، فتلك الأحوال المختلفة اللفظية الدالة على الأحوال المختلفة المعوية هي الإعراب.

المسألة الثالثة: الأفعال والحروف أحوال عارضة للماهيات، والعوارض لا تعرض لها عوارض أخرى، هذا هو الحكم الأكثري، وإنما الذي يعرض لها الأحوال المختلفة هي الذوات، والألفاظ الدالة عليها هي الأسماء، فالمستحق للإعراب بالوضع الأول هو الأسماء.

-32-

المسألة الرابعة: إنما اختص الإعراب بالحرف الأخير من الكلمة لوجهين: الأول: أن الأحوال العارضة للذات لا توجد إلا بعد وجود الذات، واللفظ لا يوجد إلا بعد وجود الحرف الأخير منه، فوجب أن تكون العلامات الدالة على الأحوال المختلفة المعنوية لا تحصل إلا بعد تمام الكلمة. الثاني: أن اختلاف حال الحرف الأول والثاني من الكلمة للدلالة على اختلاف أوزان الكلمة، فلم يبق لقبول الأحوال الإعرابية إلا الحرف الأخير من الكلمة.

المسألة الخامسة: الإعراب ليس عبارة عن الحركات والسكنات الموجودة في أواخر الكلمات بدليل أنها موجودة في المبينات والإعراب غير موجود فيها بل الإعراب عبارة عن استحقاقها لهذه الحركات بسبب العوامل المحسوسة، وذلك الاستحقاق معقول لا محسوس، والإعراب حاجة معقولة لا محسوسة.

المسألة السادسة: إذا قلنا في الحرف: إنه متحرك أو ساكن، فهو مجاز، لأن الحركة والسكون من صفات الأجسام، والحرف ليس بجسم، بل المراد من حركة الحرف صوت مخصوص يوجد عقيب التلفظ بالحرف، والسكون عبارة عن أن يوجد الحرف من غير أن يعقبه ذلك الصوت المخصوص المسمى بالحركة.

المسألة السابعة: الحركات إما صريحة أو مختلسة، والصريحة إما مفردة أو غير مفردة فالمفردة ثلاثة وهي: الفتحة، والكسرة، والضمة، وغير المفردة ما كان بين بين، وهي ستة لكل واحدة قسمان، فللفتحة ما بينها وبين الكسرة أو ما بينها وبين الضمة، وللكسرة ما بينها وبين الضمة أو ما بينها وبين الفتحة، والضمة على هذا القياس، فالمجموع تسعة. وهي أما مشبعة أو غير مشبعة، فهي ثمانية عشر، والتاسعة عشرة المختلسة، وهي ما تكون حركة وإن لم يتميز في الحس لها مبدأ، وتسمى الحركة المجهولة، وبها قرأ أبو عمرو


مختلسة الحركة من بارئكم وغير ظاهرة بها.

المسألة الثامنة: لما كان المرجع بالحركة والسكون في هذا الباب إلى أصوات مخصوصة لم يجب القطع بانحصار الحركات في العدد المذكور، قال ابن جني اسم المفتاح بالفارسية ـ وهو كليد ـ لا يعرف أن أوله متحرك أو ساكن، قال: وحدثني أبو علي قال: دخلت بلدة فسمعت أهلها ينطقون بفتحة غريبة لم أسمعها قبل، فتعجبت منها وأقمت هناك أياماً فتكلمت أيضاً بها، فلما فارقت تلك البلدة نسيتها.

المسألة التاسعة: الحركة الإعرابية متأخرة عن الحرف تأخراً بالزمان، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الحروف الصلبة كالباء والتاء والدال وأمثالها إنما تحدث في آخر زمان حبس النفس وأول إرساله، وذلك آن فاصل ما بين الزمانين غير منقسم، والحركة صوت يحدث عند إرسال النفس، ومعلوم أن ذلك الآن متقدم على ذلك الزمان فالحرف متقدم على الحركة.

-33-

الثاني: أن الحروف الصلبة لا تقبل التمديد، والحركة قابلة للتمديد، فالحرف والحركة لا يوجدان معاً لكن الحركة لا تتقدم على الحرف، فبقي أن يكون الحرف متقدماً على الحركة.

المسألة العاشرة: الحركات أبعاض من حروف المد واللين، ويدل عليه وجوه، الأول: أن حروف المد واللين قابلة للزيادة والنقصان، وكل ما كان كذلك فله طرفان، ولا طرف لها في النقصان إلا هذه الحركات، الثاني: أن هذه الحركات إذا مددناها ظهرت حروف المد واللين فعلمنا أن هذه الحركات ليست إلا أوائل تلك الحروف، الثالث: لو لم تكن الحركات أبعاضاً لهذه الحروف لما جاز الاكتفاء بها لأنها إذا كانت مخالفة لها لم تسد مسدها فلم يصح الاكتفاء بها منها بدليل استقراء القرآن والنثر والنظم، وبالجملة فهب أن إبدال الشيء من مخالفه القريب منه جائز إلا أن إبدال الشيء من بعضه أولى، فوجب حمل الكلام عليه.

الابتداء بالساكن:

المسألة الحادية عشرة: الابتداء بالحرف الساكن محال عند قوم، وجائز عند آخرين، لأن الحركة عبارة عن الصوت الذي يحصل التلفظ به بعد التلفظ بالحرف، وتوقيف الشيء على ما يحصل بعده محال.

المسألة الثانية عشرة: أثقل الحركات الضمة، لأنها لا تتم إلا بضم الشفتين، ولا يتم ذلك إلا بعمل العضلتين الصلبتين الواصلتين إلى طرفي الشفة، وأما الكسرة فإنه يكفي في تحصيلها العضلة الواحدة الجارية، ثم الفتحة يكفي فيها عمل ضعيف لتلك العضلة، وكما دلت هذه المعالم التشريحية على ما ذكرناه فالتجربة تظهره أيضاً، واعلم أن الحال فيما ذكرناه يختلف بحسب أمزجة البلدان، فإن أهل أذربيجان يغلب على جميع ألفاظهم إشمام الضمة، وكثير من البلاد يغلب على لغاتهم إشمام الكسرة والله أعلم.

المسألة الثالثة عشرة: الحركات الثلاثة مع السكون إن كانت إعرابية سميت بالرفع والنصب والجر أو الخفض والجزم، وإن كانت بنائية سميت بالفتح والضم والكسر والوقف.

المسألة الرابعة عشرة: ذهب قطرب إلى أن الحركات البنائية مثل الإعرابية، والباقون خالفوه، وهذا الخلاف لفظي، فإن المراد من التماثل إن كان هو التماثل في الماهية فالحس يشهد بأن الأمر كذلك وإن كان المراد حصول التماثل في كونها مستحقة بحسب العوامل المختلفة فالعقل يشهد أنه ليس كذلك.

المسألة الخامسة عشرة: من أراد أن يتلفظ بالضمة فإنه لا بدّ له من ضم شفتيه أولاً ثم رفعهما ثانياً، ومن أراد التلفظ بالفتحة فإنه لا بدّ له من فتح الفم بحيث تنتصب الشفة العليا عند ذلك الفتح، ومن أراد التلفظ بالكسرة فإنه لا بدّ له من فتح الفم فتحاً قوياً والفتح القوي لا يحصل إلا بانجرار اللحى الأسفل وانخفاضه، فلا جرم يسمى ذلك جراً وخفضاً وكسراً لأن انجرار القوي يوجب الكسر، وأما الجزم فهو القطع.

-34-

وأما أنه لم سمي وقفاً وسكوناً فعلته ظاهرة.

المسألة السادسة عشرة: منهم من زعم أن الفتح والضم والكسر والوقف أسماء للأحوال البنائية، كما أن الأربعة الثانية أسماء للأحوال الإعرابية، ومنهم من جعل الأربعة الأول: أسماء تلك الأحوال سواء كانت بنائية أو إعرابية، وجعل الأربعة الثانية أسماء للأحوال الإعرابية، فتكون الأربعة الأولى بالنسبة إلى الأربعة الثانية كالجنس بالنسبة إلى النوع.

المسألة السابعة عشر: أن سيبويه يسميها بالمجاري، ويقول: هي ثمانية وفيه سؤالان: الأول: لم سمى الحركات بالمجاري فإن الحركة نفسها الجري، والمجرى موضع الجري، فالحركة لا تكون مجرى؟ وجوابه أنا بينا أن الذي يسمى ههنا بالحركة فهو في نفسه ليس بحركة إنما هو صوت يتلفظ به بعد التلفظ بالحرف الأول، فالمتكلم لما انتقل من الحرف الصامت إلى هذا الحرف فهذا الحرف المصوت إنما حدث لجريان نفسه وامتداده، فلهذا السبب صحت تسميته بالمجرى. السؤال الثاني: قال المازني: غلط سيبويه في تسميته الحركات البنائية بالمجاري لأن الجري إنما يكون لما يوجد تارة ويعدم تارة. والمبني لا يزول عن حاله، فلم يجز تسميته بالمجاري، بل كان الواجب أن يقال: المجاري أربعة وهي الأحوال الإعرابية. والجواب أن المبنيات قد تحرك عند الدرج، ولا تحرك عند الوقف، فلم تكن تلك الأحوال لازمة لها مطلقاً.

المسألة الثامنة عشرة: الإعراب اختلاف آخر الكلمة باختلاف العوامل: بحركة أو حرف تحقيقاً أو تقديراً، أما الاختلاف فهو عبارة عن موصوفية آخر تلك الكلمة بحركة أو سكون بعد أن كان موصوفاً بغيرها، ولا شك أن تلك الموصوفية حالة معقولة لا محسوسة فلهذا المعنى قال عبد القاهر النحوي: الإعراب حالة معقولة لا محسوسة، وأما قوله: «باختلاف العوامل» فاعلم أن اللفظ الذي تلزمه حالة واحدة أبداً هو المبني، وأما الذي يختلف آخره فقسمان: أحدهما: أن لا يكون معناه قابلاً للأحوال المختلفة كقولك: «أخذت المال من زيد» فتكون «من» ساكنة، ثم تقول: «أخذت المال من الرجل» فتفتح النون، ثم تقول «أخذت المال من ابنك» فتكون مكسورة فههنا اختلف آخر هذه الكلمة إلا أنه ليس بإعراب، لأن المفهوم من كلمة «من» لا يقبل الأحوال المختلفة في المعنى، وأما القسم الثاني: وهو الذي يختلف آخر الكلمة عند اختلاف أحوال معناهاـ فذلك هو الإعراب.

المسألة التاسعة عشرة: أقسام الإعراب ثلاثة: الأول: الإعراب بالحركة، وهي في أمور ثلاثة: أحدها: الاسم الذي لا يكون آخره حرفاً من حروف العلة، سواء كان أوله أو وسطه معتلاً أو لم يكن، نحو رجل، ووعد، وثوب، وثانيها: أن يكون آخر الكلمة واواً أو ياءً ويكون ما قبله ساكناً، فهذا كالصحيح في تعاقب الحركات عليه، تقول: هذا ظبي وغزو ومن هذا الباب المدغم فيهما كقولك: كرسي وعدو لأن المدغم يكون ساكناً فسكون الياء من كرسي والواو من عدو كسكون الباء من ظبي والزاي من غزو، وثالثها: أن تكون الحركة المتقدمة على الحرف الأخير من الكلمة كسرة وحينئذٍ يكون الحرف الأخير ياء، وإذا كان آخر الكلمة ياء قبلها كسرة كان في الرفع والجر على صورة واحدة وهي السكون، وأما في النصب فإن الياء تحرك بالفتحة قال الله تعالى:

-35-


القسم الثاني من الإعراب: ما يكون بالحرف، وهو في أمور ثلاثة: أحدها: في الأسماء الستة مضافة، وذلك جاءني أبوه وأخوه وحموه وهنوه وفوه وذو مال، ورأيت أباه ومررت بأبيه، وكذا في البواقي، وثانيها: «كلا» مضافاً إلى مضمر، تقول: جاءني كلاهما ومررت بكليهما ورأيت كليهما، وثالثها: التثنية والجمع، تقول: جاءني مسلمان ومسلمون ورأيت مسلمين ومسلمين ومررت بمسلمين ومسلمين. والقسم الثالث: الإعراب التقديري، وهو في الكلمة التي يكون آخرها ألفاً وتكون الحركة التي قبلها فتحة، فإعراب هذه الكلمة في الأحوال الثلاثة على صورة واحدة تقول: هذه رحا ورأيت رحا ومررت برحا.

أصول الإعراب:

المسألة العشرون: أصل الإعراب أن يكون بالحركة، لأنا ذكرنا أن الأصل في الإعراب أن يجعل الأحوال العارضة للفظ دلائل على الأحوال العارضة للمعنى، والعارض للحرف هو الحركة لا الحرف الثاني، وأما الصور التي جاء إعرابها بالحروف فذلك للتنبيه على أن هذه الحروف من جنس تلك الحركات.

أنواع الاسم المعرب:

المسألة الحادية والعشرون: الاسم المعرب، ويقال له المتمكن نوعان: أحدهما: ما يستوفي حركات الإعراب والتنوين، وهو المنصرف والأمكن، والثاني: ما لا يكون كذلك بل يحذف عنه الجر والتنوين ويحرك بالفتح في موضع الجر إلا إذا أضيف أو دخله لام التعريف، ويسمى غير المنصرف، والأسباب المانعة من الصرف تسعة فمتى حصل في الاسم اثنان منها أو تكرر سبب واحد فيه امتنع من الصرف، وهي: العلمية، والتأنيث اللازم لفظاً ومعنى، ووزن الفعل الخاص به أو الغالب عليه، والوصفية، والعدل، والجمع الذي ليس على زنة واحدة، والتركيب، والعجمة في الأعلام خاصة، والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث.

سبب منع الصرف:

المسألة الثانية والعشرون: إنما صار اجتماع اثنين من هذه التسعة مانعاً من الصرف، لأن كل واحد منها فرع، والفعل فرع عن الاسم، فإذا حصل في الاسم سببان من هذه التسعة صار ذلك الاسم شبيهاً بالفعل في الفرعية، وتلك المشابهة تقتضي منع الصرف، فهذه مقدمات أربع:

المقدمة الأولى: في بيان أن كل واحد من هذه التسعة فرع، أما بيان أن العلمية فرع فلأن وضع الاسم للشيء لا يمكن إلا بعد صيرورته معلوماً، والشيء في الأصل لا يكون معلوماً ثم يصير معلوماً وأما أن التأيث فرع فبيانه تارة بحسب اللفظ وأخرى بحسب المعنى: أما بحسب اللفظ فلان كل لفظة وضعت لماهية فإنها تقع على الذكر من تلك الماهية بلا زيادة وعلى الأنثى بزيادة علامة التأنيث، وأما بحسب المعنى فلأن الذكر أكمل من الأنثى، والكامل مقصود بالذات، والناقص مقصود بالعرض، وأما أن الوزن الخاص بالفعل أو الغالب عليه فرع فلأن وزن الفعل فرع للفعل، والفعل فرع للاسم، وفرع الفرع فرع وأما أن الوصف فرع فلأن الوصف فرع عن الموصوف، وأما أن العدل فرع فلأن العدول عن لاشيء إلى غيره مسبوق بوجود ذلك الأصل وفرع عليه، وأما أن الجمع الذي ليس على زنته واحد فرع فلان ذلك الوزن فرع على وجود الجمع، لأنه لا يوجد إلا فيه، والجمع فرع على الواحد لأن الكثرة فرع على الوحدة، وفرع الفرع فرع، وبهذا الطريق يظهر أن التركيب فرع، وأما أن المعجمة فرع فلأن تكلم كل طائفة بلغة أنفسهم أصل وبلغة غيرهم فرع، وأما أن الألف والنون في سكران وأمثاله يفيدان الفرعية فلأن الألف والنون زائدان على جوهر الكلمة، والزائد فرع، فثبت بما ذكرنا أن هذه الأسباب التسعة توجب الفرعية.

-36-

المقدمة الثانية: في بيان أن الفعل فرع، والدليل عليه أن الفعل عبارة عن اللفظ الدال على وقوع المصدر في زمان معين، فوجب كونه فرعاً على المصدر.

المقدمة الثالثة: أنه لما ثبت ما ذكرناه ثبت أن الاسم الموصوف بأمرين من تلك الأمور التسعة يكون مشابهاً للفعل في الفرعية ومخالفاً له في كونه اسماً في ذاته، والأصل في الفعل عدم الإعراب كما ذكرنا، فوجب أن يحصل في مثل هذا الاسم أثران بحسب كل واحد من الاعتبارين المذكورين، وطريقه أن يبقى إعرابها من أكثر الوجوه، ويمنع من إعرابها من بعض الوجوه، ليتوفر على كل واحد من الاعتبارين ما يليق به.

المسألة الثالثة والعشرون: إنما ظهر هذا الأثر في منع التنوين والجر لأجل أن التنوين يدل على كمال حال الاسم، فإذا ضعف الاسم بحسب حصول هذه الفرعية أزيل عنه ما دل على كمال حاله، وأما الجر فلأن الفعل يحصل فيه الرفع والنصب، وأما الجر فغير حاصل فيه فلما صارت الأسماء مشابهة للفعل لا جرم سلب عنها الجر الذي هو من خواص الأسماء.

المسألة الرابعة والعشرون: هذه الأسماء بعد أن سلب عنها الجر إما أن تترك ساكنة في حال الجر أو تحرك، والتحريك أولى، تنبيهاً على أن المانع من هذه الحركة عرضي لا ذاتي، ثم النصب أول الحركات لأنا رأينا أن النصب حمل على الجر في التثنية والجمع السالم، فلزم هنا حمل الجر على النصب تحقيقاً للمعارضة.

المسألة الخامسة والعشرون: اتفقوا على أنه إذا دخل على ما لا ينصرف الألف واللام أو أضيف انصرف كقوله: مررت بالأحمر، والمساجد، وعمركم، ثم قيل: السبب فيه أن الفعل لا تدخل عليه الألف واللام والإضافة فعند دخولهما على الاسم خرج الاسم عن مشابهة الفعل، قال عبد القاهر: هذا ضعيف؛ لأن هذه الأسماء إنما شابهت الأفعال لما حصل فيها من الوصفية ووزن الفعل، وهذه المعاني باقية عند دخول الألف واللام والإضافة فيها فبطل قولهم: إنه زالت المشابهة وأيضاً فحروف الجر والفاعلية والمفعولية من خواص الأسماء ثم إنها تدخل على الأسماء مع أنها تبقي غير منصرفة، والجواب عن الأول: أن الإضافة ولام التعريف من خواص الأسماء فإذا حصلتا في هذه الأسماء فهي وإن ضعفت في الإسمية بسبب كونها مشابهة للفعل إلا أنها قويت بسبب حصول خواص الأسماء فيها، إذا عرفت هذا فنقول: أصل الإسمية يقتضي قبول الإعراب من كل الوجوه، إلا أن المشابهة للفعل صارت معارضة للمقتضى، فإذا صار هذا المعارض معارضاً بشيء آخر ضعف المعارض، فعاد المقتضي عاملاً عمله، وأما السؤال الثاني فجوابه: أن لام التعريف والإضافة أقوى من الفاعلية والمفعولية لأن لام التعريف والإضافة يضادان التنوين، والضدان متساويان في القوة فلما كان التنوين دليلاً على كمال القوة فكذلك الإضافة وحرف التعريف.

-37-

المسألة السادسة والعشرون: لو سميت رجلاً بأحمر لم تصرفه، بالاتفاق، لاجتماع العلمية ووزن الفعل، أما إذا نكرته فقال سيبويه: لا أصرفه، وقال الأخفش: أصرفه. واعلم أن الجمهور يقولون في تقرير مذهب سيبويه على ما يحكى أن المازني قال: قلت للأخفش: كيف قلت مررت بنسوة أربع فصرفت مع وجود الصفة ووزن الفعل؟ قال: لأن أصله الإسمية فقلت: فكذا لا تصرف أحمر اسم رجل إذا نكرته لأن أصله الوصفية، قال المازني: فلم يأتِ الأخفش بمقنع، وأقول: كلام المازني ضعيف، لأن الصرف ثبت على وفق الأصل في قوله: «مررت بنسوة أربع» لأنه يكفي عود الشيء إلى حكم الأصل أدنى سبب، بخلاف المنع من الصرف؛ فإنه على خلاف الأصل فلا يكفي فيه إلا السبب القوي، وأقول: الدليل على صحة مذهب سيبويه أنه حصل فيه وزن الفعل والوصفية الأصلية فوجب كونه غير منصرف، أما المقدمة الأولى فهي إنما تتم بتقرير ثلاثة أشياء: الأول: ثبوت وزن الفعل وهو ظاهر، والثاني: الوصفية، والدليل عليه أن العلم إذا نكر صار معناه الشيء الذي يسمى بذلك الاسم. فإذا قيل: «رب زيد رأيته» كان معناه رب شخص مسمى باسم زيد رأيته، ومعلوم أن كون الشخص مسمى بذلك الاسم صفة لا ذات، والثالث: أن الوصفية أصلية، والدليل عليه أن لفظ الأحمر حين كان وصفاً معناه الاتصاف بالحمرة، فإذا جعل علماً ثم نكر كان معناه كونه مسمى بهذا الاسم، وكونه كذلك صفة إضافية عارضة له، فالمفهومان اشتركا في كون كل واحد منهما صفة إلا أن الأول يفيد صفة حقيقية والثاني يفيد صفة إضافية، والقدر المشترك بينهما كونه صفة، فثبت بما ذكرنا أن حصل فيه وزن الفعل والوصفية الأصلية فوجب كونه غير منصرف لما ذكرناه.

-38-

فإن قيل: يشكل ما ذكرتم بالعلم الذي ما كان وصفاً فإنه عند التنكير ينصرف مع أنه عند التنكير يفيد الوصفية بالبيان الذي ذكرتم.

قلنا إنه وإن صار عند التنكير وصفاً إلا أن وصفيته ليست أصلية لأنها ما كانت صفة قبل ذلك بخلاف الأحمر فإنه كان صفة قبل ذلك، والشيء الذي يكون في الحال صفة مع أنه كان قبل ذلك صفة كان أقوى في الوصفية مما لا يكون كذلك، فظهر الفرق.

واحتج الأخفش بأن المقتضى للصرف قائم وهو الاسمية، والعارض الموجود لا يصح معارضاً، لأنه علم منكر والعلم المنكر موصوف بوصف كونه منكراً، والموصوف باقٍ عند وجود الصفة، فالعلمية قائمة في هذه الحالة، والعلمية تنافي الوصفية، فقد زالت الوصفية فلم يبق سوى وزن الفعل والسبب الواحد لا يمنع من الصرف، والجواب: أنا بينا بالدليل العقلي أن العلم إذا جعل منكراً صار وصفاً في الحقيقة فسقط هذا الكلام.

المسألة السابعة والعشرون: قال سيبويه: السبب الواحد لا يمنع الصرف، خلافاً للكوفيين، حجة سيبويه أن المقتضى للصرف قائم، وهو الإسمية، والسببان أقوى من الواحد فعند حصول السبب الواحد وجب البقاء على الأصل. وحجة الكوفيين قولهم المقدم، وقد قيل أيضاً: ـ

وما كان حصن ولاحابسيفوقان مرداس في مجمع

وجوابه أن الرواية الصحيحة في هذا البيت: يفوقان شيخي في مجمع.

المسألة الثامنة والعشرون: قال سيبويه: ما لا ينصرف يكون في موضع الجر مفتوحاً واعترضوا عليه بأن الفتح من باب البناء، وما لا ينصرف غير مبني، وجوابه أن الفتح اسم لذات الحركة من غير بيان أنها إعرابية أو بنائية.

المسألة التاسعة والعشرون: إعراب الأسماء ثلاثة: الرفع، والنصب، والجر، وكل واحد منها علامة على معنى، فالرفع علم الفاعلية، والنصب علم المفعولية، والجر علم الإضافة وأما التوابع فإنها في حركاتها مساوية للمتبوعات.

سر ارتفاع الفاعل وانتصاب المفعول:

المسألة الثلاثون: السبب في كون الفاعل مرفوعاً والمفعول منصوباً والمضاف إليه مجرراً وجوه: ـ

الأول: أن الفاعل واحد، والمفعول أشياء كثيرة، لأن الفعل قد يتعدى إلى مفعول واحد، وإلى مفعولين، وإلى ثلاثة، ثم يتعدى أيضاً إلى المفعول له، وإلى الظرفين، وإلى المصدر والحال، فلما كثرت المفاعيل اختير لها أخف الحركات وهو النصب، ولما قل الفاعل اختير له أثقل الحركات وهو الرفع، حتى تقع الزيادة في العدد مقابلة للزيادة في المقدار فيحصل الاعتدال.

الثاني: أن مراتب الموجودات ثلاثة: مؤثر لا يتأثر وهو الأقوى، وهو درجة الفاعل ومتأثر لا يؤثر وهو الأضعف، وهو درجة المفعول، وثالث يؤثر باعتبار ويتأثر باعتبار وهو المتوسط، وهو درجة المضاف إليه، والحركات أيضاً ثلاثة: أقواها الضمة وأضعفها الفتحة وأوسطها الكسرة، فألحقوا كل نوع بشبيهه، فجعلوا الرفع الذي هو أقوى الحركات للفاعل الذي هو أقوى الأقسام، والفتح الذي هو أضعف الحركات للمفعول الذي هو أضعف الأقسام والجر الذي هو المتوسط للمضاف إليه الذي هو المتوسط من الأقسام.

-39-

الثالث: الفاعل مقدم على المفعول: لأن الفعل لا يستغني عن الفاعل، وقد يستغني عن المفعول، فالتلفظ بالفاعل يوجد والنفس قوية، فلا جرم أعطوه أثقل الحركات عند قوة النفس، وجعلوا أخف الحركات لما يتلفظ به بعد ذلك.

أنواع المرفوعات وأصلها:

المسألة الحادية والثلاثون: المرفوعات سبعة: الفاعل، والمبتدأ، وخبره، واسم كان، واسم ما ولا المشبهتين بليس، وخبرإن، وخبر لا النافية للجنس، ثم قال الخليل الأصل في الرفع الفاعل، والبواقي مشبهة به، وقال سيبويه: الأصل هو المبتدأ، والبواقي مشبهة به، وقال الأخفش: كل واحد منهما أصل بنفسه، واحتج الخليل بأن جعل الرفع إعراباً للفاعل أولى من جعله إعراباً للمبتدأ، والأولوية تقتضي الأولية: بيان الأول: أنك إذا قلت: «ضرب زيد بكر» بإسكان المهملتين لم يعرف أن الضارب من هو والمضروب من هو أما إذا قلت: «زيد / قائم» بإسكانهما عرفت من نفس اللفظتين أن المبتدأ أيهما والخبر أيهما، فثبت أن افتقار الفاعل إلى الإعراب أشد، فوجب أن يكون الأصل هو. وبيان الثاني أن الرفعية حالة مشتركة بين المبتدأ والخبر، فلا يكون فيها دلالة على خصوص كونه مبتدأ ولا على خصوص كونه خبراً، أما لا شك أنه في الفاعل يدل على خصوص كونه فاعلاً، فثبت أن الرفع حق الفاعل، إلا أن المبتدأ لما أشبه الفاعل في كونه مسنداً إليه جعل مرفوعاً رعاية لحق هذه المشابهة، وحجة سيبويه: أنا بينا أن الجملة الإسمية مقدمة على الجمل الفعلية، فإعراب الجملة الإسمية يجب أن يكون مقدماً على إعراب الجملة الفعلية، والجواب: أن الفعل أصل في الإسناد إلى الغير فكانت الجملة الفعلية مقدمة. وحينئذٍ يصير هذا الكلام دليلاً للخليل.

أنواع المفاعيل:

المسألة الثانية والثلاثون:

المفاعيل خمسة، لأن الفاعل لا بدّ له من فعل وهو المصدر، ولا بدّ لذلك الفعل من زمان، ولذلك الفاعل من عرض، ثم قد يقع ذلك الفعل في شيء آخر وهو المفعول به، وفي مكان، ومع شيء آخر، فهذا ضبط القول في هذه المفاعيل. وفيه مباحث عقلية: أحدها: أن المصدر قد يكون هو نفس المفعول به كقولنا: «خلق الله العالم» فإن خلق العالم لو كان مغايراً للعالم لكان ذلك المغاير له إن كان قديماً لزم من قدمه قدم العالم وذلك ينافي كونه مخلوقاً وإن كان حادثاً افتقر خلقه إلى خلق آخر ولزم التسلسل وثانيها: أن فعل الله يستغني عن الزمان، لأنه لو افتقر إلى زمان وجب أن يفتقر حدوث ذلك الزمان إلى زمان آخر ولزم التسلسل وثالثها: أن فعل الله يستغني عن العرض؛ لأن ذلك العرض إن كان قديماً لزم قدم الفعل وإن كان حادثاً لزم التسلسل، وهو محال.

-40-
__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم

آخر تعديل بواسطة admin ، 12-27-2010 الساعة 05:50 PM
رد مع اقتباس
 
 
  #10  
قديم 12-27-2010
الصورة الرمزية admin
admin admin غير متواجد حالياً
Administrator
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 14,425
افتراضي تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 41-50 من 259

تفسير مفاتيح الغيب ، التفسير الكبير/ الرازي (ت 606 هـ) مصنف و مدقق 41-50 من 259



{ صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ }


عامل النصب في المفاعيل:

المسألة الثالثة والثلاثون:

اختلفوا في العامل في نصب المفعول على أربعة أقوال: الأول: وهو قول البصريين ـ أن الفعل وحده يقتضي رفع الفاعل ونصب المفعول: والثاني: وهو قول الكوفيين ـ أن مجموع الفعل والفاعل يقتضي نصب المفعول، والثالث: وهو قول هشام بن معاوية من الكوفيين ـ أن العامل هو الفاعل فقط، والرابع: وهو قول خلف الأحمر من الكوفيين ـ أن العامل في الفاعل معنى الفاعلية، وفي المفعول معنى المفعولية.

حجة البصريين أن العامل لا بدّ وأن يكون له تعلق بالمعمول، وأحد الإسمين لا تعلق له بالآخر، فلا يكون له فيه عمل ألبتة، وإذا سقط لم يبق العمل إلا للفعل.

حجة المخالف أن العامل الواحد لا يصدر عنه أثران لما ثبت أن الواحد لا يصدر عنه إلا أثر واحد. قلنا: ذاك في الموجبات، أما في المعرفات فممنوع.

واحتج خلف بأن الفاعلية صفة قائمة بالفاعل، والمفعولية صفة قائمة بالمفعول، ولفظ الفعل مباين لهما، وتعليل الحكم بما يكون حاصلاً في محل الحكم أولى من تعليله بما يكون مبايناً له، وأجيب عنه بأنه معارض بوجه آخر: وهو أن الفعل أمر ظاهر، وصفة الفاعلية والمفعولية أمر خفي، وتعليل الحكم الظاهر بالمعنى الظاهر أولى من تعليله بالصفة الخفية والله أعلم.

الباب السابع

في إعراب الفعل

إعراب الفعل:

اعلم أن قوله: (أعوذ) يقتضي إسناد الفعل إلى الفاعل، فوجب علينا أن نبحث عن هذه المسائل.

المسألة الأولى: إذا قلنا في النحو فعل وفاعل، فلا نريد به ما يذكره علماء الأصول لأنا نقول: «مات زيد» وهو لم يفعل، ونقول من طريق النحو: مات فعل، وزيد فاعله، بل المراد أن الفعل لفظة مفردة دالة على حصول المصدر لشيء غير معين في زمان غير معين، فإذا صرحنا بذلك الشيء الذي حصل المصدر له فذاك هو الفاعل، ومعلوم أن قولنا حصل المصدر له أعم من قولنا حصل بإيجاده واختياره كقولنا قام، أولاً باختياره كقولنا مات، فإن قالوا: الفعل كما يحصل في الفاعل فقد يحصل في المفعول، قلنا: إن صيغة الفعل من حيث هي تقتضي حصول ذلك المصدر لشيء ما هو الفاعل، ولا تقتضي حصوله للمفعول، بدليل أن الأفعال اللازمة غنية عن المفعول.

وجوب تقديم الفعل:

المسألة الثانية: الفعل يجب تقديمه على الفاعل، لأن الفعل ـ إثباتاً كان أو نفياً يقتضي أمراً ما يكون هو مسنداً إليه، فحصول ماهية الفعل في الذهن يستلزم حصول شيء يسند الذهن ذلك الفعل إليه، والمنتقل إليه متأخر بالرتبة عن المنتقل عنه، فلما وجب كون الفعل مقدماً على الفاعل في الذهن وجب تقدمه عليه في الذكر، فإن قالوا: لا نجد في العقل فرقاً بين قولنا: «ضرب زيد» وبين قولنا: «زيد ضرب» قلنا: الفرق ظاهر، لأنا إذا قلنا زيد لم يلزم من وقوف الذهن على معنى هذا اللفظ أن يحكم بإسناد معنى آخر إليه، أما إذا فهمنا معنى لفظ ضرب لزم منه حكم الذهن بإسناد هذا المفهوم إلى شيء ما، إذا عرفت هذا فنقول: إذا قلنا: «ضرب زيد» فقد حكم الذهن بإسناد مفهوم ضرب إلى شيء، ثم يحكم الذهن بأن ذلك الشيء هو زيد الذي تقدم ذكره، فحينئذٍ قد أخبر عن زيد بأنه هو ذلك الشيء الذي أسند الذهن مفهوم ضرب إليه، وحينئذٍ يصير قولنا: زيد مخبراً عنه وقولنا ضرب جملة من فعل وفاعل وقعت خبراً عن ذلك المبتدأ.

-41-

ارتباط الفعل بالفاعل:

المسألة الثالثة: قالوا: الفاعل كالجزء من الفعل، والمفعول ليس كذلك، وفي تقريره وجوه: الأول: أنهم قالوا ضربت فاسكنوا لام الفعل لئلا يجتمع أربع متحركات، وهم يحترزون عن تواليها في كلمة واحدة، وأما بقرة فإنما احتملوا ذلك فيها لأن التاء زائدة، واحتملوا ذلك في المفعول كقولهم ضربك، وذلك يدل على أنهم اعتقدوا أن الفاعل جزء من الفعل، وأن المفعول منفصل عنه، الثاني: أنك تقول: الزيدان قاما أظهرت الضمير للفاعل، وكذلك إذا قلت زيد ضرب وجب أن يكون الفعل مسند إلى الضمير المستكن طرداً للباب، والثالث: وهو الوجه العقلي ـ أن مفهوم قولك ضرب هو أنه حصل الضرب لشيء ما في زمان مضى، فذلك الشيء الذي حصل له الضرب جزء من مفهوم قولك ضرب، فثبت أن الفاعل جزء من الفعل.

الإضمار قبل الذكر:

المسألة الرابعة: الإضمار قبل الذكر على وجوه: أحدها: أن يحصل صورة ومعنى، كقولك ضرب غلامه زيداً والمشهور أنه لا يجوز لأنك رفعت غلامه بضرب فكان واقعاً موقعه والشيء إذا وقع موقعه لم تجز إزالته عنه، وإذا كان كذلك كانت الهاء في قولك غلامه ضميراً قبل الذكر، وأما قول النابغة: ـ

جزى ربه عني عدي بن حاتمجزاء الكلاب العاويات وقد فعل

فجوابه: أن الهاء عائدة إلى مذكور متقدم، وقال ابن جني: وأنا أجيز أن تكون الهاء في قوله ربه عائدة على عدي خلافاً للجماعة، ثم ذكر كلاماً طويلاً غير ملخص، وأقول: الأولى في تقريره أن يقال: الفعل من حيث أنه فعل كان غنياً عن المفعول لكن الفعل المتعدي لا يستغنى عن المفعول، وذلك لأن الفاعل هو المؤثر، والمفعول هو القابل، والفعل مفتقر إليهما ولا تقدم لأحدهما على الآخر، أقصى ما في الباب أن يقال إن الفاعل مؤثر، والمؤثر أشرف من القابل، فالفاعل متقدم على المفعول من هذا الوجه، لأنا بينا أن الفعل المتعدي مفتقر إلى المؤثر وإلى القابل معاً وإذا ثبت هذا فكما جاز تقديم الفاعل على المفعول وجب أيضاً جواز تقديم المفعول على الفاعل.

-42-

القسم الثاني: وهو أن يتقدم المفعول على الفاعل في الصورة لا في المعنى؛ وهو كقولك ضرب غلامه زيد: فغلامه مفعول، وزيد فاعل، ومرتبه، المفعول بعد مرتبة الفاعل، إلا أنه وأن تقدم في اللفظ لكنه متأخر في المعنى.

والقسم الثالث: وهو أن يقع في المعنى لا في الصورة، كقوله تعالى:


فههنا الإضمار قبل الذكر غير حاصل في الصورة، لكنه حاصل في المعنى، لأن الفاعل مقدم في المعنى، ومتى صرح بتقديمه لزم الإضمار قبل الذكر.

إظهار الفاعل وإضماره:

المسألة الخامسة: الفاعل قد يكون مظهراً كقولك ضرب زيد، وقد يكون مضمراً بارزاً كقولك ضربت وضربنا، ومضمراً مستكناً كقولك زيد ضرب، فتنوي في ضرب فاعلاً وتجعل الجملة خبراً عن زيد، ومن إضمار الفاعل قولك إذا كان غداً فأتني، أي: إذا كان ما نحن عليه غداً.

قد يحذف الفعل:

المسألة السادسة: الفعل قد يكون مضمراً، يقال: من فعل؟ فتقول: زيد، والتقدير فعل زيد، ومنه قوله تعالى:


والتقدير وإن استجارك أحد من المشركين.

التنازع في العمل:

المسألة السابعة: إذا جاء فعلان معطوفاً أحدهما على الآخر وجاء بعدهما اسم صالح لأن يكون معمولاً لهما فهذا على قسمين، لأن الفعلين: أما أن يقتضيا عملين متشابهين، أو مختلفين وعلى التقديرين فأما أن يكون الاسم المذكور بعدهما واحداً، أو أكثر فهذه أقسام أربعة.

القسم الأول: أن يذكر فعلان يقتضيان عملاً واحدأ، ويكون المذكور بعدهما اسماً واحداً، كقولك: قام وقعد زيد، فزعم الفراء أن الفعلين جميعاً عاملان في زيد، والمشهور أنه لا يجوز؛ لأنه يلزم تعليل الحكم الواحد بعلتين، والأقرب راجح بسبب القرب، فوجب إحالة الحكم عليه، وأجاب الفراء بأن تعليل الحكم الواحد بعلتين ممتنع في المؤثرات، أما في المعرفات فجائز، وأجيب عنه بأن المعرف يوجب المعرفة، فيعود الأمر إلى اجتماع المؤثرين في الأثر الواحد.

القسم الثاني: إذا كان الاسم غير مفرد، وهو كقولك، قام وقعد أخواك، فههنا إما أن ترفعه بالفعل الأول، أو بالفعل الثاني، فإن رفعته بالأول قلت: قام وقعدا أخواك، لأن التقدير قام أخواك وقعدا، أما إذا أعملت الثاني جعلت في الفعل الأول ضمير الفاعل، لأن الفعل لا يخلوا من فاعل مضمر أو مظهر، تقول: قاما وقعد أخواك، وعند البصريين إعمال الثاني أولى، وعند الكوفيين إعمال الأول أولى، حجة البصريين أن أعمالهما معاً ممتنع، فلا بدّ من إعمال أحدهما، والقرب مرجح، فإعمال الأقرب أولى، وحجة الكوفيين أنا إذا أعملنا الأقرب وجب إسناد الفعل المتقدم إلى الضمير، ويلزم حصول الإضمار قبل الذكر، وذلك أولى بوجوب الاحتراز عنه.

-43-

القسم الثالث: ما إذا اقتضى الفعلان تأثيرين متناقضين، وكان الاسم المذكور بعدهما مفرداً، فيقول البصريون إن إعمال الأقرب أولى، خلافاً للكوفيين، حجة البصريين وجوه؛ الأول: قوله تعالى:


فحصل ههنا فعلان كل واحد منهما يقتضي مفعولاً: فأما أن يكون الناصب لقوله قطراً هو قوله آتوني أو أفرغ، والأول باطل، وإلا صار التقدير آتوني قطراً، وحينئذٍ كان يجب أن يقال أفرغه عليه، ولما لم يكن كذلك علمنا أن الناصب لقوله قطراً هو قوله أفرغ؛ الثاني: قوله تعالى:


فلو كان العامل هو الأبعد لقيل هاؤم اقرؤه، وأجاب الكوفيون عن هذين الدليلين بأنهما يدلان على جواز أعمال الأقرب، وذلك لا نزاع فيه، وإنما النزاع في أنا نجوز أعمال الأبعد، وأنتم تمنعونه وليس في الآية ما يدل على المنع. الحجة الثالثة: للبصريين أنه يقال: ما جاءني من أحد، فالفعل رافع، والحرف جار، ثم يرجح الجار لأنه هو الأقرب. الحجة الرابعة: أن إهمالهما وإعمالهما لا يجوز، ولا بدّ من الترجيح، والقرب مرجح، فأعمال الأقرب أولى.

واحتج الكوفيون بوجوه: الأول: أنا بينا أن الاسم المذكور بعد الفعلين إذا كان مثنى أو مجموعاً فأعمال الثاني يوجب في الأول الإضمار قبل الذكر وأنه لا يجوز، فوجب القول بأعمال الأول هناك، فإذا كان الاسم مفرداً وجب أن يكون الأمر كذلك طرداً للباب. الثاني: أن الفعل الأول وجد معمولاً خالياً عن العائق، لأن الفعل لا بدّ له من مفعول، والفعل الثاني وجد المعمول بعد أن عمل الأول فيه، وعمل الأول فيه عائق عن عمل الثاني فيه ومعلوم أن أعمال الخالي عن العائق أولى من أعمال العامل المقرون بالعائق.

القسم الرابع: إذا كان الاسم المذكور بعد الفعلين مثنى أو مجموعاً فإن أعملت الفعل الثاني قلت ضربت وضربني الزيدان وضربت وضربني الزيدون، وإن أعملت الأول قلت ضربت وضرباني الزيدين وضربت وضربوني الزيدين.

المسألة الثامنة: قول امرىء القيس: ـ

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشةكفاني ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثلوقد يدرك المجد المؤثل أمثالي

فقوله كفاني ولم أطلب ليسا متوجهين إلى شيء واحد، لأن قوله كفاني موجه إلى قليل من المال، وقوله ولم أطلب غير موجه إلى قليل من المال، وإلا لصار التقدير فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة لم أطلب قليلاً من المال، وكلمة لو تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره فيلزم حينئذٍ أنه ما سعى لأدنى معيشة ومع ذلك فقد طلب قليلاً من المال، وهذا متناقض، فثبت أن المعنى ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني قليل من المال ولم أطلب الملك، وعلى هذا التقدير فالفعلان غير موجهين إلى شيء واحد، ولنكتف بهذا القدر من علم العربية قبل الخوض في التفسير.

-44-

القسم الثاني من هذا الكتاب المشتمل على تفسير (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) في المباحث النقلية والعقلية، وفيه أبواب: ـ

الباب الأول

في المسائل الفقهية المستنبطة من قولنا: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم).

وقت قراءة الاستعاذة:

المسألة الأولى: اتفق الأكثرون على أن وقت قراءة الاستعاذة قبل قراءة الفاتحة، وعن النخعي أنه بعدها، وهو قول داود الأصفهاني، وإحدى الروايتين عن ابن سيرين، وهؤلاء قالوا: الرجل إذا قرأ سورة الفاتحة بتمامها وقال: (آمين) فبعد ذلك يقول: أعوذ بالله والأولون احتجوا بما روى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح الصلاة قال: الله أكبر كبيراً ثلاث مرات، والحمد لله كثيراً ثلاث مرات، وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاث مرات، ثم قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه.

واحتج المخالف على صحة قوله بقوله سبحانه:


دلت هذه الآية على أن قراءة القرآن شرط، وذكر الاستعاذة جزاء، والجزاء متأخر عن الشرط، فوجب أن تكون الاستعاذة متأخرة عن قراءة القرآن، ثم قالوا: وهذا موافق لما في العقل، لأن من قرأ القرآن فقد استوجب الثواب العظيم، فلو دخله العجب في أداء تلك الطاعة سقط ذلك الثواب، لقوله عليه السلام والسلام «ثلاث مهلكات» وذكر منها إعجاب المرء بنفسه؛ فلهذا السبب أمره الله سبحانه وتعالى بأن يستعيذ من الشيطان، لئلا يحمله الشيطان بعد قراءة القرآن على عمل يحبط ثواب تلك الطاعة.

قالوا: ولا يجوز أن يقال: إن المراد من قوله تعالى:


أي إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كما في قوله تعالى:


والمعنى إذا أردتم القيام إلى الصلاة، لأنه يقال: ترك الظاهر في موضع الدليل لا يوجب تركه في سائر المواضع لغير دليل.

أما جمهور الفقهاء فقالوا: لا شك أن قوله:


يحتمل أن يكون المراد منه إذا أردت، وإذا ثبت الاحتمال وجب حمل اللفظ عليه توفيقاً بين هذه الآية وبين الخبر الذي رويناه، ومما يقوي ذلك من المناسبات العقلية، أن المقصود من الاستعاذة نفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال تعالى:


وإنما أمر تعالى بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذا السبب.

وأقول: ههنا قول ثالث: وهو أن يقرأ الاستعاذة قبل القراءة بمقتضى الخبر، وبعدها بمقتضى القرآن، جمعاً بين الدليلين بقدر الإمكان.

-45-

حكم الاستعاذة:

المسألة الثانية: قال عطاء: الاستعاذة واجبة لكل قراءة، سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، وقال ابن سيرين: إذا تعوذ الرجل مرة واحدة في عمره فقد كفى في إسقاط الوجوب وقال الباقون: إنها غير واجبة.

حجة الجمهور أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم الأعرابي الاستعاذة في جملة أعمال الصلاة ولقائل أن يقول: إن ذلك الخبر غير مشتمل على بيان جملة واجبات الصلاة، فلا يلزم من عدم ذكر الاستعاذة فيه عدم وجوبها.

واحتج عطاء على وجوب الاستعاذة بوجوه: الأول: أنه عليه السلام واظب عليه، فيكون واجباً لقوله تعالى: { وَٱتَّبِعُوهُ }.

الثاني: أن قوله تعالى: { فَٱسْتَعِذْ } أمر، وهو للوجوب، ثم إنه يجب القول بوجوبه عند كل القراءات، لأنه تعالى قال: { فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ } وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب يدل على التعليل، والحكم يتكرر لأجل تكرر العلة.

الثالث: أنه تعالى أمر بالاستعاذة لدفع الشر من الشيطان الرجيم، لأن قوله:


مشعر بذلك، ودفع شر الشيطان واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب أن تكون الاستعاذة واجبة.

الرابع: أن طريقة الاحتياط توجب الاستعاذة، فهذا ما لخصناه في هذه المسألة.

التعوذ في الصلاة:

المسألة الثالثة: التعوذ مستحب قبل القراءة عند الأكثرين، وقال مالك لا يتعوذ في المكتوبة ويتعوذ في قيام شهر رمضان، لنا الآية التي تلوناها، والخبر الذي رويناه، وكلاهما يفيد الوجوب، فإن لم يثبت الوجوب فلا أقل من الندب.

هل يسر بالتعوذ أو يجهر:

المسألة الرابعة: قال الشافعي رضي الله عنه في «الأم»: روي أن عبد الله بن عمر لما قرأ أسر بالتعوذ وعن أبي هريرة أنه جهر به، ثم قال: فإن جهر به جاز، وإن أسر به أيضاً جاز وقال في «الإملاء»: ويجهر بالتعوذ، فإن أسر لم يضر، بين أن الجهر عنده أولى، وأقول: الاستعاذة إنما تقرأ بعد الافتتاح وقبل الفاتحة، فإن ألحقناها بما قبلها لزم الإسرار، وإن ألحقناها بالفاتحة لزم الجهر، إلا أن المشابهة بينها وبين الافتتاح أتم، لكون كل واحد منهما نافلة عند الفقهاء، ولأن الجهر كيفية وجودية والإخفاء عبارة عن عدم تلك الكيفية، والأصل هو العدم.

هل يتعوذ في كل ركعة:

المسألة الخامسة: قال الشافعي رضي الله عنه في «الأم»: قيل إنه يتعوذ في كل ركعة، ثم قال: والذي أقوله إنه لا يتعوذ إلا في الركعة الأولى، وأقول: له أن يحتج عليه بأن الأصل هو العدم، وما لأجله أمرنا بذكر الاستعاذة هو قوله:


وكلمة إذا لا تفيد العموم، ولقائل أن يقول: قد ذكرنا أن ترتيب الحكم على الوصف المناسب يدل على العلية، فيلزم أن يتكرر الحكم بتكرر العلة، والله أعلم.

-46-

صيغ الاستعاذة:

المسألة السادسة: أنه تعالى قال في سورة النحل:


وقال في سورة أخرى


وفي سورة ثالثة


فلهذا السبب اختلف العلماء فقال الشافعي: واجب أن يقول، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وهو قول أبي حنيفة، قالوا: لأن هذا النظم موافق لقوله تعالى:


وموافق أيضاً لظاهر الخبر الذي رويناه عن جبير بن مطعم، وقال أحمد: الأولى أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم جمعاً بين الآيتين، وقال بعض أصحابنا، الأولى أن يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، لأن هذا أيضاً جمع بين الآيتين، وروى البيهقي في «كتاب السنن» بإسناده عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل كبر ثلاثاً وقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وقال الثوري والأوزاعي: الأولى أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، وروى الضحاك عن ابن عباس أن أول ما نزل جبريل على محمد عليه الصلاة والسلام قال: قل يا محمد: أستعيذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ثم قال: قل بسم الله الرحمن الرحيم


وبالجملة فالاستعاذة تطهر القلب عن كل ما يكون مانعاً من الاستغراق في الله، والتسمية توجه القلب إلى هيبة جلال الله والله الهادي.

هل التعوذ للقراءة أو للصلاة:

المسألة السابعة: التعوذ في الصلاة لأجل القراءة أم لأجل الصلاة؟ عند أبي حنيفة ومحمد أنه لأجل القراءة، وعند أبي يوسف أنه لأجل الصلاة، ويتفرع على هذا الأصل فرعان: الفرع الأول: أن المؤتم هل يتعوذ خلف الإمام أم لا؟ عندهما لا يتعوذ، لأنه لا يقرأ، وعنده يتعوذ، وجه قولهما قوله تعالى:


علق الاستعاذة على القراءة، ولا قراءة على المقتدي، فلا يتعوذ، ووجه قول أبي يوسف أن التعوذ لو كان للقراءة لكان يتكرر بتكرر القراءة، ولما لم يكن كذلك بل كرر بتكرر الصلاة دل على أنها للصلاة لا للقراءة، الفرع الثاني: إذا افتتح صلاة العيد فقال: سبحانك اللهم وبحمدك هل يقول: أعوذ بالله ثم يكبر أم لا؟ عندهما أنه يكبر التكبيرات ثم يتعوذ عند القراءة وعند أبي يوسف يقدم التعوذ على التكبيرات.

وبقي من مسائل الفاتحة أشياء نذكرها ههنا: ـ

السنة في القراءة:

المسألة الثامنة: السنة أن يقرأ القرآن على الترتيل، لقوله تعالى:


والترتيل هو أن يذكر الحروف والكلمات مبينة ظاهرة، والفائدة فيه أنه إذا وقعت القراءة على هذا الوجه فهم من نفسه معاني تلك الألفاظ، وأفهم غيره تلك المعاني، وإذا قرأها بالسرعة لم يفهم ولم يفهم، فكان الترتيل أولى، فقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

-47-

" يقال لصاحب القرآن إقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا " قال أبو سليمان الخطابي: جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على عدد درج الجنة، يقال للقارىء: إقرأ وارق في الدرج على عدد ما كنت تقرأ من القرآن، فمن استوفى قراءة جميع آي القرآن استولى على أقصى الجنة.

المسألة التاسعة: إذا قرأ القرآن جهراً فالسنة أن يجيد في القراءة، روى أبو داود عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " زينوا القرآن بأصواتكم "

المسألة العاشرة: المختار عندنا أن اشتباه الضاد بالظاء لا يبطل الصلاة، ويدل على أن المشابهة حاصلة بينهما جداً والتمييز عسر، فوجب أن يسقط التكليف بالفرق، بيان المشابهة من وجوه: الأول: أنهما من الحروف المجهورة، والثاني: أنهما من الحروف الرخوة، والثالث: أنهما من الحروف المطبقة، والرابع: أن الظاء وإن كان مخرجه من بين طرف اللسان وأطراف الثنايا العليا ومخرج الضاد من أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس إلا أنه حصل في الضاد انبساط لأجل رخاوتها وبهذا السبب يقرب مخرجه من مخرج الظاء، والخامس: أن النطق بحرف الضاد مخصوص بالعرب قال عليه الصلاة والسلام: " أنا أفصح من نطق بالضاد " فثبت بما ذكرنا أن المشابهة بين الضاد والظاء شديدة وأن التمييز عسر، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان هذا الفرق معتبراً لوقع السؤال عنه في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي أزمنة الصحابة، لا سيما عند دخول العجم في الإسلام، فلما لم ينقل وقوع السؤال عن هذه المسألة البتة علمنا أن التمييز بين هذين الحرفين ليس في محل التكليف.

المسألة الحادية عشرة: اختلفوا في أن اللام المغلظة هل هي من اللغات الفصيحة أم لا؟ وبتقدير أن يثبت كونها من اللغات الفصيحة لكنهم اتفقوا على أنه لا يجوز تغليظها حال كونها مكسورة لأن الانتقال من الكسرة إلى التلفظ باللام المغلظة ثقيل على اللسان، فوجب نفيه عن هذه اللغة.

لا تجوز الصلاة بالشاذة:

المسألة الثانية عشرة: اتفقوا على أنه لا يجوز في الصلاة قراءة القرآن بالوجوه الشاذة مثل قولهم «الحمدِ لله» بكسر الدال من الحمد أو بضم اللام من لله، لأن الدليل ينفي جواز القراءة بها مطلقاً، لأنها لو كانت من القرآن لوجب بلوغها في الشهرة إلى حد التواتر، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها ليست من القرآن، إلا أنا عدلنا عن هذا الدليل في جواز القراءة خارج الصلاة فوجب أن تبقى قراءتها في الصلاة على أصل المنع.

-48-

المسألة الثالثة عشرة: اتفق الأكثرون على أن القراءات المشهورة منقولة بالنقل المتواتر وفيه إشكال: وذلك لأنا نقول: هذه القراءات المشهورة إما أن تكون منقولة بالنقل المتواتر أو لا تكون، فإن كان الأول فحينئذٍ قد ثبت بالنقل المتواتر أن الله تعالى قد خير المكلفين بين هذه القراءات وسوى بينها في الجواز، وإذا كان كذلك كان ترجيح بعضها على البعض واقعاً على خلاف الحكم الثابت بالتواتر، فوجب أن يكون الذاهبون إلى ترجيح البعض على البعض مستوجبين للتفسيق إن لم يلزمهم التكفير، لكنا نرى أن كل واحد من هؤلاء القراء يختص بنوع معين من القراءة، ويحمل الناس عليها ويمنعهم من غيرها، فوجب أن يلزم في حقهم ما ذكرناه، وأما إن قلنا إن هذه القراءات ما ثبتت بالتواتر بل بطريق الآحاد فحينئذٍ يخرج القرآن عن كونه مفيداً للجزم والقطع واليقين، وذلك باطل بالإجماع، ولقائل أن يجيب عنه فيقول: بعضها متواتر، ولا خلاف بين الأمة فيه، وتجويز القراءة بكل واحد منها، وبعضها من باب الآحاد وكون بعض القراءات من باب الآحاد لا يقتضي خروج القرآن بكليته عن كونه قطعياً، والله أعلم.

الباب الثاني

في المباحث العقلية المستنبطة من قولنا: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

اعلم أن الكلام في هذا الباب يتعلق بأركان خمسة: الاستعاذة، والمستعيذ، والمستعاذ به، والمستعاذ منه، والشيء الذي لأجله تحصل الاستعاذة.

الركن الأول: في الاستعاذة، وفيه مسائل: ـ

تفسير الاستعاذة:

المسألة الأولى: في تفسير قولنا: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» بحسب اللغة فنقول: قوله: «أعوذ» مشتق من العوذ، وله معنيان: أحدهما: الالتجاء والاستجارة، والثاني: الالتصاق يقال: «أطيب اللحم عوذه» وهو ما التصق منه بالعظم، فعلى الوجه الأول معنى قوله أعوذ بالله أي: ألتجىء إلى رحمة الله تعالى وعصمته، وعلى الوجه الثاني معناه التصق نفسي بفضل الله وبرحمته.

وأما الشيطان ففيه قولان: الأول: أنه مشتق من الشطن، وهو البعد، يقال: شطن دارك أي بعد، فلا جرم سمي كل متمرد من جن وإنس ودابة شيطاناً لبعده من الرشاد والسداد، قال الله تعالى:


فجعل من الإنس شياطين، وركب عمر برذوناً فطفق يتبختر به فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبختراً فنزل عنه وقال: ما حملتموني إلا على شيطان. والقول الثاني: أن الشيطان مأخوذ من قوله شاط يشيط إذا بطل، ولما كان كل متمرد كالباطل في نفسه بسبب كونه مبطلاً لوجوه مصالح نفسه سمي شيطاناً.

وأما الرجيم فمعناه المرجوم، فهو فعيل بمعنى مفعول. كقولهم: كف خضيب أي مخضوب ورجل لعين، أي ملعون، ثم في كونه مرجوماً وجهان: الأول: أن كونه مرجوماً كونه ملعوناً من قبل الله تعالى، قال الله تعالى:

-49-


واللعن يسمى رجماً، وحكى الله تعالى عن والد إبراهيم عليه السلام أنه قال له:


قيل عنى به الرجم بالقول، وحكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا:


وفي سورة يۤس


والوجه الثاني: أن الشيطان إنما وصف بكونه مرجوماً لأنه تعالى أمر الملائكة برمي الشياطين بالشهب والثواقب طرداً لهم من السموات، ثم وصف بذلك كل شرير متمرد.

وأما قوله: { إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ } ففيه وجهان: الأول: أن الغرض من الاستعاذة الاحتراز من شر الوسوسة ومعلوم أن الوسوسة كأنها حروف خفية في قلب الإنسان، ولا يطلع عليها أحد، فكأن العبد يقول: يا من هو على هذه الصفة التي يسمع بها كل مسموع، ويعلم كل سر خفي أنت تسمع وسوسة الشيطان وتعلم غرضه فيها، وأنت القادر على دفعها عني، فادفعها عني بفضلك، فلهذا السبب كان ذكر السميع العليم أولى بهذا الموضع من سائر الأذكار،: الثاني: أنه إنما تعين هذا الذكر بهذا الموضع اقتداء بلفظ القرآن، وهو قوله تعالى:


وقال في حم السجدة:


المسألة الثانية: في البحث العقلي عن ماهية الاستعاذة: اعلم أن الاستعاذة لا تتم إلا بعلم وحال وعمل، أما العلم فهو كون العبد عالماً بكونه عاجزاً عن جلب المنافع الدينية والدنيوية وعن دفع جميع المضار الدينية والدنيوية، وأن الله تعالى قادر على إيجاد جميع المنافع الدينية والدنيوية وعلى دفع جميع المضار الدينية والدنيوية قدرة لا يقدر أحد سواه على دفعها عنه. فإذا حصل هذا العلم في القلب تولد عن هذا العلم حصول حالة في القلب، وهي انكسار وتواضع ويعبر عن تلك الحالة بالتضرع إلى الله تعالى والخضوع له، ثم إن حصول تلك الحالة في القلب يوجب حصول صفة أخرى في القلب وصفة في اللسان، أما الصفة الحاصلة في القلب فهي أن يصير العبد مريداً لأن يصونه الله تعالى عن الآفات ويخصه بإفاضة الخيرات والحسنات وأما الصفة التي في اللسان فهي أن يصير العبد طالباً لهذا المعنى بلسانه من الله تعالى، وذلك الطلب هو الاستعاذة، وهو قوله: «أعوذ بالله» إذا عرفت ما ذكرنا يظهر لك أن الركن الأعظم في الاستعاذة هو علمه بالله، وعلمه بنفسه، أما علمه بالله فهو أن يعلم كونه سبحانه وتعالى عالماً بجميع المعلومات، فإنه لو لم يكن الأمر كذلك لجاز أن لا يكون الله عالماً به ولا بأحواله، فعلى هذا التقدير تكون الاستعاذة به عبثاً، ولا بدّ وأن يعلم كونه قادراً على جميع الممكنات وإلا فربما كان عاجزاً عن تحصيل مراد البعد، ولا بدّ أن يعلم أيضاً كونه جواداً مطلقاً، إذ لو كان البخل عليه جائزاً لما كان في الاستعاذة فائدة، ولا بدّ أيضاً وأن يعلم أنه لا يقدر أحد سوى الله تعالى على أن يعينه على مقاصده، إذ لو جاز أن يكون غير الله يعينه على مقاصده لم تكن الرغبة قوية في الاستعاذة بالله، وذلك لا يتم إلا بالتوحيد المطلق وأعني بالتوحيد المطلق أن يعلم أن مدبر العالم واحد، وأن يعلم أيضاً أن العبد غير مستقل بأفعال نفسه، إذ لو كان مستقلاً بأفعال نفسه لم يكن في الاستعاذة بالغير فائدة، فثبت بما ذكرنا أن العبد ما لم يعرف عزة الربوبية وذلة العبودية لا يصح منه أن يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ومن الناس من يقول: لا حاجة في هذا الذكر إلى العلم بهذه المقدمات، بل الإنسان إذا جوز كون الأمر كذلك حسن منه أن يقول: أعوذ بالله على سبيل الإجمال، وهذا ضعيف جداً لأن إبراهيم عليه السلام عاب أباه في قوله:

-50-
__________________
اللهم علمنا ما ينفعنا - وإنفعنا بما علمتنا
اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا إتباعه - وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا إجتنابه
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك
اللهم إجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة وسلم
رد مع اقتباس
 
إضافة رد
أدوات الموضوع ابحث في الموضوع
ابحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا يمكنك اضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


جميع الأوقات بتوقيت GMT +3. الساعة الآن 04:48 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.